الأرز بالغرب قطاع استراتيجي
يظل الأرز من الزراعات ذات الأهمية الخاصة في المنظومة الفلاحية المغربية، بالنظر إلى أدواره الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، هذا القطاع لا يقتصر على المساهمة في تلبية جزء من الطلب الوطني على هذه المادة الغذائية، بل يشكل أيضا رافعة للتشغيل بالعالم القروي، خاصة بالمناطق التي ارتبطت تاريخيا بهذه الزراعة، غير أن استمرار هذا النشاط بات اليوم يواجه ضغوطا متزايدة، وتنامي بعض الإكراهات وارتفاع تكاليف الإنتاج، ما يجعل مستقبله رهينا بقدرة الفاعلين على تبني نماذج إنتاج أكثر استدامة وكفاءة.
زراعة ترتبط بخصوصية المجال
تتركز زراعة الأرز بالمغرب أساسا في سهل الغرب، حيث توفر التربة الطينية الثقيلة الظروف الملائمة لهذا النشاط الزراعي، ولا تقتصر أهمية هذه الزراعة على إنتاج الأرز فحسب، بل تؤدي دورا محوريا في تحسين خصائص التربة، والحد من ملوحتها، وإدماجها ضمن دورة زراعية تساهم في الحفاظ على خصوبتها واستدامة مردوديتها، يشكل القطاع على المستوى الاقتصادي، موردا مهما لآلاف الأسر، إذ يوفر فرص شغل مباشرة في عمليات الزراعة والحصاد، وأخرى غير مباشرة في مجالات التثمين والتلفيف والتسويق، كما يساهم في تموين السوق الوطنية بأصناف محلية ذات جودة.
تحديات تهدد استمرارية القطاع
يواجه قطاع زراعة الأرز مجموعة من التحديات البنيوية التي أدت خلال السنوات الأخيرة إلى تقليص المساحات المزروعة وتراجع وتيرة الإنتاج، في مقدمة إكراهات، كما يواجه الأرز المغربي منافسة قوية من المنتجات المستوردة القادمة من أسواق آسيوية وأوروبية تستفيد من تكاليف إنتاج أقل ومنظومات دعم أكثر تطورا، في وقت لا تزال فيه بعض حلقات التسويق المحلية تعاني اختلالات رغم الجهود المبذولة لتطوير التعاونيات وآليات التجميع الفلاحي.
بين الحفاظ على الإنتاج وترشيد الموارد
يتجه التفكير أمام هذه التحديات، لإعادة صياغة نموذج إنتاج الأرز ما يحقق التوازن بين استدامة النشاط الفلاحي والحفاظ على الموارد المائية، يبرز في هذا الإطار اعتماد تقنيات ري أكثر نجاعة، وبعض حلول الري المقتصدة للمياه، والتي أظهرت قدرتها على تقليص الاستهلاك المائي بنسبة تتراوح بين 30 و50 في المائة، دون الإضرار بالمردودية، كما يراهن برامج البحث الزراعي على استنباط أصناف جديدة أكثر مقاومة للجفاف والملوحة، وأسرع نضجا، ما ينسجم مع التحولات المناخية المتسارعة، وفي المقابل، ربط المساحات المزروعة سنويا بحجم المخزون المتوفر، خيارا أساسيا لضمان استمرارية هذا النشاط، ولا يكتمل هذا المسار دون تنافسية السلسلة الإنتاجية، عبر دعم الاستثمار وتشجيع التجميع الفلاحي، وتوفير آليات تمويل ومواكبة تقنية للفلاحين، ما يحد من كلفة الإنتاج ويرفع من القيمة المضافة للأرز المغربي، وفي المجمل، يقف قطاع الأرز عند مفترق الطرق والحاجة إلى حماية نشاط فلاحي ذي أبعاد اقتصادية واجتماعية وبيئية، يظل نجاح هذا التوازن رهينا بتسريع وتيرة الابتكار واعتماد سياسات مائية وفلاحية أكثر مرونة، قادرة على ضمان استدامة الإنتاج والأمن الغذائي في ظل المتغيرات المناخية.
تحقيق لكبح الواردات
شرعت وزارة الصناعة والتجارة، أخيرا، بعد أشهر من الاحتقان والصمت الثقيل الذي خيم على حقول الأرز بسهل الغرب، فتح تحقيق وقائي بشأن واردات الأرز الموجة للاستهلاك المباشر، تأتي هذه الخطوة في سياق تعامل فلاحي المنطقة باعتبارها اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الدولة على حماية الإنتاج الوطني، من الإغراق واجتياح السوق المغربية خلال الأشهر الأخيرة.
تحقيق لحماية الأرز
يأتي فتح هذا التحقيق، استنادا إلى مقتضيات المادة 55 من القانون 15.09 المتعلق بتدابير الحماية التجارية، عقب شكاية تقدمت بها شركة يملح مشيش العلمي، تمثل ما يقارب 78 في المائة من الإنتاج الوطني، طالبت بتفعيل تدابير وقائية في مواجهة واردات الأرز، في ظل ما تعتبره اختلالا متزايدا في توازن السوق الوطنية، التي باتت، بحسب المعطيات المتداولة، أكثر انفتاحا على المنتوج المستورد، والذي ناهز حوالي 46 ألف طن خلال موسم 2023-2024، أي ما يفوق نصف إجمالي الواردات، إتخد قرار تعليق الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة على الأرز، في سياق مواجهة تداعيات الجفاف وضمان تزويد السوق بالمواد الأساسية، غير أن تداعياته على مستوى الإنتاج المحلي بدت ثقيلة على فلاحي منطقتي الغرب، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة منافسة غير متكافئة مع أرز مستورد منخفض الكلفة، في وقت تراكم فيه محصولهم داخل المخازن، ما عمّق من حدة الأزمة التي يعيشها القطاع، يكتسي هذا الملف أبعادا يتجاوز منطق الأرقام والحسابات التجارية الضيقة، بالنظر إلى الثقل الاقتصادي والاجتماعي الذي تمثله زراعة الأرز بمنطقة الغرب، التي تؤمن وحدها نحو 75 في المائة من الإنتاج الوطني، وتستغل ما يقارب 12 ألف هكتار، ما يوفر حوالي 1.5 مليون يوم عمل سنويا، لذلك لا يتعامل الفلاحون مع تراجع القطاع باعتباره أزمة ظرفية عابرة، بل كتهديد مباشر لنسيج اقتصادي واجتماعي تشكل على امتداد عقود، ونشاط بات ينظر إليه كجزء من “هوية الغرب” قبل أن يكون محصول فلاحي، وفي هذا السياق، صادقت لجنة مراقبة الواردات، بتاريخ 26 مارس الماضي، على قرار فتح تحقيق، بعدما اعتبرت المعطيات المقدمة “موضوعية وموثقة وكافية”، من أجل التحقق مما إذا كانت الزيادة الكبيرة في الواردات قد تسببت فعلا في ضرر جسيم لفرع الإنتاج الوطني، وفقا لمقتضيات منظمة التجارة العالمية، وفي حال تأكد من وقع هذا الضرر، سيكون بإمكان المغرب اللجوء إلى تدابير وقائية تشمل فرض رسوم جمركية إضافية، أو تحديد حصص للاستيراد، أو اعتماد قيود مؤقتة لحماية السوق الوطنية، حيث لا يكمن الرهان الحقيقي، في نظر الفلاحين، في فتح تحقيق إداري، بقدر ما يرتبط بسرعة تفعيله وترجمته إلى إجراءات عملية وقرارات ملموسة على أرض الواقع، إذ يتنامى الإحساس داخل الدواوير والمناطق الفلاحية، بعامل الزمن الذي لم يعد يخدم المنتج المحلي، وأن كل تأخر إضافي يفاقم حجم الخسائر ويدفع مزيدا من الفلاحين إلى هجر حقولهم تحت وطأة ارتفاع كلفة الإنتاج واختلالات التسويق، رسالة قوية تختزل عمق الأزمة وحجم الإحباط الذي يعتري العاملين بهذا القطاع، كما يضع هذا التحرك الحكومة أمام مسؤولية دقيقة تقتضي إيجاد توازن بين رهانات الانفتاح التجاري ومتطلبات السوق، وبين ضرورة حماية الأمن الفلاحي والاجتماعي لمناطق يرتبط استقرارها الاقتصادي والمعيشي بشكل وثيق بهذا النشاط الحيوي.
واردات الأرز تربك المنتجين
مع اقتراب انطلاق موسم حصاد الأرز برسم سنة 2026، تتصاعد مخاوف المنتجين بسهل الغرب من أزمة تسويق قد تعصف بالمحصول، في ظل مؤشرات تفيد بإمكانية امتناع عدد من أرباب معامل التثمين عن استقبال كامل الإنتاج، أو الاكتفاء باستلام الكميات التي تعادل قيمة السلفات العينية التي سبق منحها للفلاحين لتمويل عمليات الزراعة، حيث يؤكد مهنيون أن الطاقة الاستيعابية الحالية للمعامل أصبحت عاجزة عن احتواء محصول الموسم الجديد، بسبب استمرار تكدس مخزونات السنوات الماضية التي لم يتم تصريفها بالكامل، الأمر الذي يضع آلاف الأطنان من الأرز المحلي أمام مصير مجهول، ويهدد بتكبيد الفلاحين خسائر مالية جسيمة، يربط المتدخلون هذه الوضعية باستمرار تدفق واردات الأرز الأجنبي، ولا سيما الأرز المصري، إلى السوق الوطنية، معتبرين أن سياسة الاستيراد غير المقيدة أصبحت تشكل تهديدا مباشرا لاستمرار زراعة الأرز بسهل الغرب، وتضعف القدرة التنافسية للمنتوج الوطني، ما قد يقود تدريجيا إلى تقويض هذا النشاط الفلاحي الاستراتيجي، إذ تلقى الفاعلون في القطاع، قبل انطلاق الموسم الفلاحي، تطمينات من عدد من القطاعات الحكومية بشأن اتخاذ إجراءات لحماية الإنتاج الوطني والحد من واردات الأرز خلال فترة التسويق، ما يضمن تصريف المحصول المحلي في ظروف مناسبة، غير أن هذه الوعود، بحسب المهنيين، لم تترجم إلى تدابير عملية على أرض الواقع، في ظل غياب أي قرار ملموس لتنظيم الاستيراد، ما يثير تساؤلات واسعة حول أسباب هذا التأخر، ويغذي مخاوف المنتجين من استمرار وضع يخدم بالأساس مصالح المستوردين على حساب الفلاح المغربي والمنتوج الوطني.














