جولة شتنبر بين رهانات الحوار ونهاية الولاية الحكومية

جولة شتنبر بين رهانات الحوار

عاد ملف الحوار الاجتماعي المركزي إلى واجهة النقاش النقابي، في ظل اقتراب الولاية الحكومية من نهايتها، وما رافق ذلك من تباين في المواقف بشأن جدوى عقد جولة جديدة خلال شهر شتنبر المقبل، بينما تتمسك بعض المركزيات النقابية بضرورة استثمار ما تبقى من الولاية لبلورة التزامات اجتماعية ومالية قابلة للتنفيذ، يتحفظ الاتحاد المغربي للشغل على توقيت الجولة، متسائلا عن مدى قدرتها على إنتاج مخرجات ذات أثر فعلي في مرحلة تتقاطع فيها نهاية الولاية الحكومية والإعداد لمشروع قانون المالية لسنة 2027، يضع هذا التباين جولة شتنبر المرتقبة أمام اختبار يتجاوز مجرد موعد جديد للحوار، ليطرح أسئلة أعمق حول استمرارية الالتزامات الاجتماعية، ومخرجات الحوار للترجمة المالية والتنفيذية، وحدود قدرة حكومة في نهاية ولايتها على اتخاذ قرارات ملزمة للمرحلة المقبلة

جولة شتنبر تختبر استمرارية الالتزامات

يرى الاتحاد المغربي للشغل أن عقد جولة جديدة من الحوار الاجتماعي في الظرفية الانتقالية الراهنة تفتقر إلى ما يكفي من المبررات العملية والسياسية، في وقت تتمسك فيه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بضرورة انعقادها، انطلاقا من قناعة مفادها أن التزامات الدولة لا تنتهي بانتهاء الولاية الحكومية، وأن مخرجات الحوار ينبغي أن تجد ترجمتها العملية ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، يعكس هذا التباين عمق الإشكال الذي يحيط بتوقيت الجولة المرتقبة، في سياق مؤسساتي تتقاطع فيه نهاية الولاية الحكومية والاستعدادات لإعداد مشروع قانون المالية للسنة المقبلة، ما يضع الحوار الاجتماعي أمام اختبار مزدوج: من جهة، مدى قدرة الحكومة الحالية على اتخاذ قرارات جديدة ذات كلفة مالية واجتماعية في نهاية ولايتها، ومن جهة ثانية، مدى قابلية الحكومة المقبلة للالتزام بمخرجات يتم التوافق بشأنها في المرحلة الأخيرة من الولاية الحالية، وفي خضم هذا الجدل، أفاد مصدر قيادي من داخل الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بأن المكتب التنفيذي للمنظمة ناقش، خلال اجتماعه الأخير، مضامين العرض الذي قدمته وزيرة الاقتصاد والمالية أمام لجنتي المالية بمجلسي البرلمان، والمتعلق بالإطار العام لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، وعن البرمجة الميزانياتية للسنوات الثلاثة الممتدة من 2027 إلى 2029، حسب المصدر ذاته، شكلت هذه المعطيات أرضية أساسية لصياغة مذكرة نقابية يرتقب أن توجهها الكونفدرالية إلى رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، خلال الأيام المقبلة، تتضمن دعوتها إلى عقد جولة شتنبر من الحوار الاجتماعي المركزي، إلى جانب مجموعة من المقترحات والتدابير التي ترى المنظمة أن إدراجها ضمن مشروع قانون المالية المقبل أصبحت ضرورة لضمان ترجمة الالتزامات الاجتماعية إلى مقتضيات مالية قابلة للتنفيذ، هكذا، ينتقل النقاش حول جولة شتنبر من مجرد خلاف بشأن موعد انعقاد الحوار إلى سجال أعمق حول حدود صلاحيات الحكومة في نهاية ولايتها، واستمرارية الالتزامات الاجتماعية، والجهة التي تملك القرار الفعلي في تحويل مخرجات التفاوض إلى سياسات وموارد مالية ملزمة.

الاتحاد يتحفظ على جدوى الحوار

يتخذ الاتحاد المغربي للشغل موقفا أكثر تحفظا إزاء عقد جولة جديدة من الحوار الاجتماعي المركزي خلال شتنبر، مستندا إلى قراءة تعتبر أن الظرفية السياسية والحكومية الراهنة لا توفر الشروط الملائمة لإنتاج مخرجات ذات أثر فعلي، وفي هذا السياق، أكد الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، الميلودي المخارق، أن الدعوة إلى تنظيم جولة للحوار في وقت تكون فيه الولاية الحكومية قد استنفدت عمليا، في تقديره، مجانبة للصواب، وقد تنتهي إلى تحويل الحوار إلى محطة شكلية للاستهلاك السياسي والنقابي، يعزز الاتحاد موقفه بما يعتبره محدودية في حصيلة الجولات السابقة، ولا سيما الجولتين الأخيرتين، اللتين لم تفضيا، بحسب المخارق، إلى نتائج ملموسة أو مكتسبات ترقى إلى مستوى انتظارات الشغيلة، الأمر الذي يجعل أي جولة جديدة مطالبة، قبل كل شيء، بتجاوز منطق التكرار وإثبات قدرتها على إنتاج التزامات قابلة للتنفيذ، ولم يتوقف تحفظ الاتحاد المغربي للشغل عند حدود توقيت الحوار، بل إمتد إلى الجدوى السياسية والقانونية للمخرجات التي قد تترتب عنه في نهاية الولاية الحكومية، وحتى في حال التوصل إلى اتفاق جديد، يرى المخارق أن تنزيله قد يظل محاطا بإشكاليات عملية، في ظل عدم تشكيل الحكومة المقبلة بعد، وما يترتب عن ذلك من صعوبة في استباق توجهاتها أو افتراض التزامها باتفاقات أبرمتها حكومة تكون قد أنهت ولايتها، يحيل هذا الموقف، في عمقه، إلى إشكالية أوسع تتصل بحدود الالتزام السياسي للحكومة في مرحلة نهاية الولاية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتعهدات تترتب عنها أعباء مالية أو اختيارات اجتماعية يتعين على السلطة التنفيذية المقبلة إدراجها ضمن أولوياتها وبرامجها، تجعل هذه الاشكالية مسألة استمرارية الالتزامات الاجتماعية محورا أساسيا في النقاش حول جدوى جولة شتنبر وتوقيتها، وفي هذا السياق، شدد المخارق على أن الإشكال لا يرتبط بعقد جلسة للحوار، وإنما بطبيعة الإرادة السياسية التي يفترض أن تؤطرها وتمنح مخرجاتها اللازمة للتنفيذ، معتبرة أن هذه الإرادة ظلت، وفق تقديره، غائبة عن محطات سابقة، في وقت تواجه فيه الطبقة العاملة، باعتبارها إحدى أبرز القوى الاجتماعية، تحديات متزايدة وانتظارات متنامية تستدعي إجراءات ملموسة تتجاوز منطق الالتزام النظري إلى تحسين فعلي للأوضاع المهنية والاجتماعية.

الكونفدرالية تربط الحوار بقانون المالية

تدافع الكونفدرالية الديمقراطية للشغل عن عقد جولة شتنبر من الحوار الاجتماعي المركزي، انطلاقا من مقاربة ترى في ما تبقى من الولاية الحكومية فرصة أخيرة لفتح نقاش جدي حول مجموعة من التدابير الاجتماعية والمالية التي يفترض أن تجد ترجمتها العملية ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، وفي هذا السياق، كشف محمد الحطاطي، نائب الأمين العام للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن المنظمة أعدت مذكرة ستوجهها إلى رئاسة الحكومة خلال الأيام المقبلة، تتضمن دعوتها إلى عقد جولة جديدة من الحوار الاجتماعي المركزي، إلى جانب جملة من المقترحات والتدابير التي تعتبرها ذات أولوية في المرحلة المقبلة، يرى الحطاطي أن أهمية هذه الجولة تكتسب وزنا إضافيا بالنظر إلى تزامنها مع اقتراب انتهاء الولاية الحكومية رسميا في 23 شتنبر، مع انطلاق مرحلة الإعداد والمناقشة المرتبطة بمشروع قانون المالية لسنة 2027، محطة يعتبرها حاسمة في تحويل المطالب الاجتماعية من التزامات سياسية إلى اعتمادات مالية وتدابير قابلة للتنفيذ، بحسب المسؤول النقابي، فإن مذكرة الكونفدرالية لا تختزل في المطالبة بعقد جلسة للحوار، وإنما تحمل تصورا متكاملا بشأن الإجراءات التي ترى المنظمة ضرورة إدراجها في المشروع المالي المقبل، ما يسمح بإضفاء طابع مؤسساتي ومالي على الالتزامات الاجتماعية، وإخراجها من دائرة الوعود العامة إلى حيز التدبير العمومي الفعلي، وقد يحتل عامل التوقيت موقعا مركزيا في هذه المقاربة، إذ يحذر الحطاطي من أن تأجيل الحوار إلى ما بعد المصادقة على قانون المالية قد يضيق هامش المناورة أمام الحكومة المقبلة، ويحد من إمكانية برمجة الاعتمادات الضرورية للاستجابة للمطالب ذات الكلفة المالية، وفي مقدمتها الزيادة في الأجور، وعن عدد من الالتزامات الاجتماعية والمهنية التي لا يمكن تنزيلها عمليا من دون موارد مالية محددة، وتراهن الكونفدرالية على جعل جولة شتنبر محطة لإحكام الصلة بين الحوار الاجتماعي والقرار المالي، ب
ما يتيح تحويل مخرجات التفاوض إلى مقتضيات قابلة للبرمجة والتنفيذ، قبل أن تغلق دورة إعداد قانون المالية أبوابها.

الكونفدرالية تتمسك باستمرارية الالتزامات

تستعد الكونفدرالية الديمقراطية للشغل لتضمين مذكرتها المرتقبة جملة من المقترحات التي تستند، من جهة، إلى الالتزامات التي سبق للحكومة أن تعهدت بها في إطار مؤسسة الحوار الاجتماعي، ومن جهة أخرى، إلى إجراءات ومطالب جديدة ذات صلة مباشرة بمشروع قانون المالية لسنة 2027، حيث ترى المنظمة أن إدراج هذه المطالب ضمن الوثيقة المالية السنوية من شأنها أن تمنحها سنداً تنفيذيا أكثر وضوحا، ينقلها من التزامات ذات طابع سياسي إلى مقتضيات قابلة للترجمة المالية والتنفيذ العملي، ما يفتح، وفق تصورها، إمكانية تحقيق أثر ملموس على الأوضاع الاجتماعية والمهنية للطبقة العاملة، بينما يبدي الاتحاد المغربي للشغل تحفظا إزاء جدوى عقد جولة شتنبر في ظل قرب انتهاء الولاية الحكومية، وما قد يترتب عن ذلك من احتمال إنتاج اتفاقات تفتقر إلى الضمانات الكفيلة بتنفيذها، تتمسك الكونفدرالية بضرورة انعقاد الجولة في موعدها، مستندة إلى مبدأ استمرارية الدولة والمرفق العمومي، باعتباره قاعدة مؤسساتية تتجاوز حدود الولاية السياسية للحكومة القائمة، وفي هذا السياق، شدد الحطاطي على أن الحكومة المقبلة ستظل، وفق مقاربة الكونفدرالية، ملزمة بمخرجات الحوار الاجتماعي التي سيتم التوصل إليها، باعتبار أن انتهاء الولاية الحكومية لا يعني، في نظر المنظمة، سقوط الالتزامات التي جرى التعهد بها، وإنما انتقال مسؤولية تنفيذها إلى السلطة التنفيذية التي ستتولى تدبير المرحلة المقبلة، يستند هذا الطرح إلى تصور أوسع لاستمرارية تدبير الشأن العام، قوامه أن تداول الحكومات لا يفترض القطيعة مع الالتزامات والبرامج والأوراش المفتوحة، لا سيما تلك التي تتطلب آجالا زمنية تتجاوز الولاية الانتخابية للحكومة، ما يجعل استمرارية تنفيذها جزءا من انتظام العمل المؤسساتي، بعيدا عن التحولات السياسية التي قد تطرأ على تركيبة السلطة التنفيذية.

الحوار الاجتماعي يرسم الموقف النقابي

يظل الموقف النقابي من الاستحقاقات التشريعية المقبلة محكوما إلى حد كبير، بحصيلة الولاية الحكومية ومدى انعكاس السياسات العمومية المعتمدة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للأجراء والطبقة العاملة، وفي هذا السياق، أوضح الميلودي المخارق، ردا على سؤال بشأن احتمال العودة إلى خيار التصويت العقابي، لأن الحسم في هذا التوجه لا يدخل ضمن صلاحيات القيادة التنفيذية وحدها، وإنما يعود إلى الأجهزة التقريرية للاتحاد المغربي للشغل، باعتبارها الجهة المخولة دستوريا وتنظيميا باتخاذ الموقف الذي ستتبناه المنظمة خلال الاستحقاقات المقبلة، أكد المخارق أن القرار المرتقب سيضع، في مقدمة اعتباره، مصلحة الأجراء والطبقة العاملة، وتقييم ما تحقق من مكتسبات خلال المرحلة المنصرمة، وما إذا كانت السياسات الحكومية قد استجابت فعليا للمطالب التي ظلت الحركة النقابية ترفعها، وسيجري تحديد التوجيه السياسي والتنظيمي الذي سيقدمه الاتحاد إلى مناضليه بشأن الانتخابات التشريعية المقبلة، وفق قراءة تستحضر حصيلة المرحلة أكثر مما تستند إلى مواقف مسبقة، ومن هذه الزاوية، تبدو جولة شتنبر للحوار الاجتماعي أبعد من محطة إضافية على أجندة التفاوض بين الحكومة والمركزيات النقابية، إذ تكتسب في سياق نهاية الولاية الحكومية، دلالة سياسية ومؤسساتية خاصة، باعتبارها اختبارا لمدى قدرة الطرفين على إنتاج التزامات قابلة للتنفيذ، ومدى إمكانية ترحيل المكتسبات الاجتماعية إلى المرحلة الحكومية المقبلة دون أن تفقد قوتها الإلزامية، وفي المقابل، يركز الاتحاد المغربي للشغل على سؤال الجدوى السياسية والتنفيذية لأي اتفاق في هذه المرحلة الانتقالية، خصوصا في ظل حكومة تقترب ولايتها من نهايتها، بينما تراهن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل على مبدأ الاستمرارية، وعلى إمكانية تثبيت الالتزامات المتوافق بشأنها ضمن قانون المالية، ما يضمن عدم تحول مخرجات الحوار لتفاهمات مرتبطة بعمر الحكومة القائمة، إن جوهر التباين بين المقاربتين النقابيتين لا يبدو منصبا على مبدأ الحوار الاجتماعي في حد ذاته، بقدر ما يرتبط بتوقيت انعقاده، وبالضمانات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بتحويل مخرجاته إلى التزامات نافذة قابلة للتنفيذ، معادلة تجعل من جولة شتنبر محطة مفصلية قد تمتد تداعياتها من طاولة الحوار الاجتماعي إلى المشهد الانتخابي، ومن تقييم الحصيلة الحكومية إلى تحديد ملامح الموقف النقابي من الاستحقاقات التشريعية المقبلة.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×