منتجو الأرز بالغرب يحتجون
دخل ملف تسويق الإنتاج الوطني للأرز منعطفا جديدا في مسار التصعيد المهني، بعدما نظم منتجو الأرز بإقليمي سيدي قاسم والقنيطرة، اليوم الأربعاء 19 غشت الجاري، وقفة احتجاجية سلمية أمام مقر وزارة الاقتصاد والمالية بالرباط، ضمن خطوة تجسد تصاعد الضغوط المهنية للمطالبة بمعالجة الاختلالات التي باتت تؤثر على تسويق المحصول واستقرار السلسلة الوطنية للأرز.
موسم يختبر مستقبل القطاع
شارك في هذه الوقفة أكثر من مائة شخص، غالبيتهم من الفلاحين، إلى جانب ممثلين عن جمعيات المجتمع المدني ورؤساء تعاونيات الإصلاح الزراعي وممثلين عن المنتجين، خطوة تكرس انتقال حالة الاحتقان من دائرة الشكايات والمطالب القطاعية إلى فضاء الاحتجاج المباشر أمام مؤسسة حكومية ترتبط اختصاصاتها بتدبير التوازنات الاقتصادية والمالية، إذ يضع المحتجون في صلب تحركهم ما يعتبرونه اختلالا في معادلة العرض والطلب، لأن السوق الوطنية تشهد ارتفاعا في وفرة العرض وتراجعا في القدرة على استيعاب الإنتاج المحلي، في ظل استمرار تدفق الأرز المستورد، ما يضيق وفق تقديراتهم، هامش تصريف الإنتاج المحلي، حيث لا يربط المهنيون الأزمة بحجم الواردات وحدها، بل أيضا بتوقيت دخولها إلى السوق ومدى توافقها مع فترة عرض المحصول الوطني، محذرين من أن تزامنها مع ذروة التسويق قد يزيد الضغوط على الفلاحين الذين يتحملون كلفة الإنتاج والاستثمار والتمويل ومتطلبات الاستمرارية، تبرز هذه المطالب في عمقها، عن أزمة تتجاوز حدود موسم فلاحي بعينه لتطال التوازن الاقتصادي لسلسلة الأرز بمختلف حلقاتها، إذ انعكست صعوبات التسويق على نشاط وحدات التحويل ودفعت بعضها إلى تقليص وتيرة اشتغالها، في ظل مخاوف متزايدة من أن تمتد تداعيات الأزمة للاستثمارات التي راكمها القطاع خلال السنوات الماضية، وتهديد مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالإنتاج والتحويل والتخزين والتسويق، ما يضع حماية هذه السلسلة أمام رهان اقتصادي واجتماعي يتجاوز حدود مصالح المنتجين، ليطال استدامة منظومة إنتاجية متكاملة ومصالح فئات واسعة ترتبط بها
ضبط واردات الأرز وحماية الإنتاج
يبرز هذا التحرك، في جوهره، عن رغبة مهنية تتجاوز المعالجة الظرفية لأزمة تسويق المحصول لإعادة النظر في طريقة تدبير سوق الأرز برمتها، خصوصا خلال الفترات التي يكون فيها الإنتاج الوطني متاحا وقابلا للتسويق، حيث يطالب المهنيون بإرساء توازن أكثر إنصافا بين تأمين حاجيات السوق الوطنية من جهة، وتوفير شروط المنافسة الملائمة لحماية الإنتاج المحلي والاستثمارات المرتبطة به من جهة أخرى، محذرين من أن استمرار التدخلات الموسمية قد يعيد إنتاج الأزمة مع كل موسم، من هذا المنطلق، يدفع المنتجون اعتماد مقاربة استباقية تراعي دورة الإنتاج المحلي ومستويات المخزون وحاجيات الاستهلاك وحجم الواردات وتوقيت دخولها إلى السوق، واتخاذ تدابير استعجالية وفعالة لحماية الإنتاج الوطني وتثمينه، لمراجعة سياسة الاستيراد دون تحول الواردات، من حيث الكميات أو التوقيت، إلى عنصر ضغط إضافي على المحصول المحلي، والتشديد على ضرورة تسريع مساطر اعتماد وتنفيذ إجراءات الحماية والإنقاذ، وأن أي تأخر في التدخل لا يعني سوى اتساع حجم الخسائر وتراجع قدرة الفلاحين ووحدات التحويل المرتبطة بهم على الصمود أمام الضغوط التجارية والاقتصادية.
منتجو الأرز يطالبون بحماية القطاع
يبرز دعم الفلاحين المتضررين موازة مع ذلك كأحد المحاور الأساسية في المطالب المطروحة، في ظل تنامي صعوبات تصريف الإنتاج وتقليص هامش المناورة المتاحة أمام المنتجين، لا يتوقف هذا المطلب عند مساندة الفلاح في مواجهة تداعيات الظرفية الحالية، بل يمتد إلى المطالبة بالحفاظ على وحدات التحويل الوطنية وضمان استمرارية نشاطها، باعتبارها حلقة أساسية في منظومة تثمين الإنتاج وتأمين مساره للسوق، يقدم المهنيون هذه السلسلة باعتبارها منظومة مترابطة تجمع بين الإنتاج الفلاحي والتحويل والتخزين والتسويق، ما يجعل أي اضطراب في إحدى حلقاتها قابلا للامتداد إلى باقي مكوناتها، ومن هذا المنظور، فإن حماية الإنتاج الوطني لا ينفصل عن حماية البنية الصناعية المرتبطة به، تفاديا لتراجع الاستثمارات القائمة، وفقدان مناصب الشغل، وازدياد الضغوط التي قد تهدد التوازن الاقتصادي والاجتماعي لهذا القطاع.
منتجو الأرز يطالبون بالإنصاف
تجسد هذه الوقفة الاحتجاجية، أبعادا تتجاوز التعبير عن حجم الأضرار التي لحقت بالمهنيين، لتطرح بوضوح مطلب الانتقال من مرحلة تشخيص الأزمة وتسجيل تداعياتها إلى مرحلة البحث المؤسساتي عن آليات عملية للتدخل والمعالجة، أيضا يطالب المنظمون بفتح حوار استعجالي وجاد ومسؤول مع القطاعات الحكومية المعنية ومختلف المتدخلين في السلسلة الوطنية للأرز، من أجل بلورة حلول قابلة للتنفيذ ومستدامة، تستجيب للإكراهات الراهنة دون أن تغفل الرهانات المرتبطة بمستقبل القطاع، ووفق ما تضمنه التصريح المسبق، فإن هذا التحرك لا يستهدف الاحتجاج باعتباره غاية في حد ذاته، وإنما يراد منه لفت انتباه السلطات العمومية لما يعتبره المهنيون وضعا اقتصاديا ومهنيا مستعجلا يستدعي تدخلا واضحا ومتوازنا، يوفق بين مقتضيات تنظيم السوق وحماية القدرة الإنتاجية الوطنية، دون تفاقم الاختلالات التي تواجه المنتجين، كما يكتسي الشكل الذي اختاره المحتجون دلالة، إذ جرى التشديد على الطابع السلمي والمهني للوقفة، من خلال تنظيم تجمع ثابت أمام مقر وزارة الاقتصاد والمالية، من دون مسيرة أو انتقال جماعي عبر الطريق العام، مع الالتزام باحترام النظام العام وضمان سلامة المشاركين وحماية الممتلكات العامة والخاصة، يعكس هذا الاختيار حرص المنظمين على إبقاء الملف في إطاره المطلبي والمؤسساتي، وتوجيه الرسالة مباشرة إلى الجهة الحكومية المعنية، ما يضمن إبقاء قنوات الحوار والتفاوض مفتوحة، وتهيئة شروط معالجة المطالب المطروحة ضمن المسار المؤسساتي، بعيدا عن منطق التصعيد أو الانزلاق لمواجهة مفتوحة.
احتجاج الأرز يفتح ملف الواردات
تضع هذه الوقفة الاحتجاجية المنظمة من منتجي الأرز بالرباط مستقبل هذه السلسلة الزراعية أمام اختبار حقيقي لمدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق توازن دقيق بين ضرورات السوق ومتطلبات حماية الإنتاج الوطني، إذ يرفع الفلاحون مطالب تتجاوز، في جوهرها، إشكالية تصريف محصول موسمي، لتلامس بنية اقتصادية ومهنية متكاملة تضم آلاف المنتجين، ووحدات للتحويل والتثمين، واستثمارات ومناصب شغل، فضلا عن شبكة واسعة من الأنشطة والخدمات المرتبطة بالقطاع، تعيد هذه التطورات للواجهة الحاجة لنقاش مؤسساتي جدي حول الاختلالات التي تعاني منها سلسلة الأرز، لا سيما ما يرتبط بتنظيم الواردات وتدبير توقيتها، لضمان شروط أكثر إنصافا للمنتج الوطني، ما يتيح الانتقال من منطق التدخل الظرفي لاحتواء الأزمات إلى اعتماد رؤية استباقية ومستدامة تضمن للقطاع مقومات الاستقرار والاستمرارية، ويرتقب أن تشكل وقفة الرباط محطة جديدة لتكثيف الضغط المهني من أجل تسريع التفاعل مع المطالب المطروحة، والانخراط في حوار مؤسساتي جاد ومسؤول بين الحكومة والمهنيين، يتجاوز منطق التدبير الظرفي لتداعيات الأزمة، لإعادة ضبط توازنات سوق الأرز، وترسيخ آليات أكثر نجاعة لحماية الإنتاج الوطني، بما يكفل للقطاع مقومات الاستقرار والاستدامة ويؤمن مستقبله.



















