ندوة أكاديمية تستعرض مسار الصحراء
نظم مختبر التاريخ والتراث والمجتمع والتنمية بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، بتنسيق مع شعبة التاريخ والحضارة ومركز دراسات الدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية والفنون وعلوم التربية، يوم الثلاثاء 11 نونبر 2025، بمدرج الندوات بالكلية، ندوة علمية بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء: “الصحراء المغربية: من مسيرة التحرير إلى مسيرة الوحدة والتنمية”.
خمسون سنة من التحرير الى التنمية
جسدت الندوة العلمية لحظة استعادة لخمسة عقود من مسار الكفاح الوطني من أجل استكمال الوحدة الترابية، واستحضارا للمنعطف التاريخي الذي دشنته المسيرة الخضراء سنة 1975، حين قاد الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه، ملحمة التحرير السلمية التي أفضت إلى اتفاق مدريد واسترجاع الأقاليم الجنوبية إلى السيادة المغربية، أيضا شكلت الندوة محطة لتسليط الضوء على الرؤية الملكية المتجددة للملك محمد السادس نصره الله، القائمة على تثبيت السيادة والاندماج الوطني عبر مشاريع تنموية كبرى جعلت من الصحراء المغربية رافعة استراتيجية للاقتصاد الوطني وجسرا للعمق الإفريقي.
الصحراء المغربية من النزاع إلى التنمية
أبرزت الورقة التأطيرية للندوة الأبعاد التاريخية والسياسية التي مرّ منها ملف الصحراء المغربية منذ اندلاع النزاع في منتصف السبعينات، حين واجه المغرب محاولات الانفصال التي قادتها البوليساريو بدعم جزائري، قبل أن تُتوَّج المساعي الدولية بوقف إطلاق النار في تسعينات القرن الماضي برعاية الأمم المتحدة، ومنذ ذلك الحين يواصل المغرب نهجه السلمي لإيجاد تسوية نهائية، مقدما مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007 كحل واقعي وذي مصداقية، حظي بتأييد أممي ودولي واسع باعتباره الإطار الأنسب لإنهاء هذا النزاع في إطار السيادة المغربية الكاملة، وأكدت مداخلات الندوة أنّ التحولات الدبلوماسية والجيوسياسية الأخيرة جسدت نجاح الرؤية المغربية بقيادة الملك محمد السادس نصره الله، خصوصا بعد فتح أكثر من ثلاثين قنصلية إفريقية وأوروبية بمدينتي العيون والداخلة، إلى جانب الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية وتزايد دعم العواصم الأوروبية للمقترح المغربي، وكما أبرز المتدخلون البعد التنموي للمسار المغربي، من خلال المشاريع المهيكلة التي جعلت من الصحراء فضاءا اقتصاديا واعدا، منها: مشروع أنبوب الغاز النيجيري المغربي، ومبادرة تمكين دول الساحل من الولوج إلى الأطلسي، إلى جانب الطفرة العمرانية والاقتصادية التي حولت الأقاليم الجنوبية إلى رافعة استراتيجية للتنمية الوطنية والإفريقية.
الحكم الذاتي مدخل لترسيخ الوحدة والتنمية
أكد المنظمون أن الندوة العلمية تهم إعادة قراءة مسار الوحدة الترابية للمغرب من خلال مقاربة شمولية تستند إلى التحليل التاريخي، السياسي، القانوني والاقتصادي، بما يثري النقاش الأكاديمي حول مستقبل الصحراء المغربية في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، وقد بُنيت أعمال الندوة على خمسة محاور أساسية: التطور التاريخي لملف الصحراء المغربية، البعد الدبلوماسي للنزاع، المقاربة القانونية لمبادرة الحكم الذاتي، إلى جانب التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالأقاليم الجنوبية، ثم آفاق تفعيل الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، وخلصت الورقة التأطيرية إلى أن تخليد الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء تمثل أكثر من احتفاء بحدث وطني، بل محطة لتجديد العهد بمسار الوحدة والبناء، وترسيخ الوعي الجماعي بأهمية الانتقال من مرحلة الدفاع عن القضية إلى مرحلة التمكين والتنمية المستدامة، كما أبرزت أن الرؤية الملكية الاستباقية لمشروع الحكم الذاتي حجر الزاوية في بناء مغرب موحد ومتوازن، يقوم على العدالة المجالية والتكامل الترابي، ويجسد المكانة الريادية للمملكة المغربية في محيطها الإقليمي والقاري.
استحضار رمزية المسيرة الخضراء
في مستهل الندوة العلمية المنظمة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل، تخليدا للذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، ألقى الأستاذ سعيد البوزيدي، رئيس مركز دراسات الدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية والفنون وعلوم التربية، كلمة افتتاحية أبرز فيها رمزية الحدث الوطني الخالد، الذي استعاد من خلاله المغرب أقاليمه الجنوبية، مؤكدا أن تنظيم هذه الندوة تحت شعار «من مسيرة التحرير إلى مسيرة الوحدة والتنمية» تأتي وفاءا لروح المسيرة واستحضارا لدلالاتها العميقة في بناء المغرب الحديث، وأوضح البوزيدي أن هذا اللقاء العلمي يشكل فضاءا فكريا يجمع نخبة من الأساتذة والباحثين لتسليط الضوء على المسار التاريخي والسياسي والتنموي للقضية الوطنية، مشيدا بالحضور الأكاديمي المتميز لممثلي الجامعة وكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، قبل أن يحيل الكلمة إلى الأستاذ محمد بن تهامي لمواصلة فقرات الجلسة الافتتاحية.
نصف قرن من استرجاع الأرض وبناء التنمية
أكد الأستاذ محمد بن التهامي، نائب رئيس الجامعة، في كلمته الافتتاحية خلال الندوة العلمية المنظمة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل، على المكانة التاريخية والفاصلة للمسيرة الخضراء في تاريخ المغرب الحديث، وأشار بن التهامي إلى أن اللقاء العلمي يأتي في سياق احتفاء المغرب بالذكرى الخمسين للمسيرة، معتبرا أن الحدث يشكل مرحلة مفصلية تجسد النصر الدبلوماسي والعمق التاريخي للمسيرة، التي تحولت منذ انطلاقتها في 5 نونبر 1975، بقيادة الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه، من خطوة لاسترجاع الأرض إلى مشروع شامل لبناء الإنسان والمجتمع وتنمية الأقاليم الجنوبية، وذكر بن التهامي أنه، رغم انشغال رئيس الجامعة في لقاء آخر حول إعداد برامج التنمية المندمجة، فإن كلية العلوم الإنسانية
والاجتماعية بالقنيطرة، بقيادة عميدها السيد جمال الكركوري،
أظهرت التزامها الدائم بالمواعيد العلمية والفكرية، مؤكدا أن المسيرة الخضراء لم تقتصر على استرجاع
التراب الوطني فحسب، بل تحولت إلى قاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الصحراء المغربية، ونموذج يحتذى به على المستوى الإقليمي والقاري، في إطار رؤية ملكية متكاملة توازن بين الاستقرار والتنمية والبعد الدبلوماسي.
كلمة عميد كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية
افتتح الأستاذ جمال الكركوري، عميد كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل، كلمته بالترحيب بالحضور، مشيدا بالضيوف الأكاديميين والدبلوماسيين، وعلى رأسهم السفير السابق للمغرب بالجزائر، السيد حسن عبد الخالق، ورئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، الأستاذ علي الغنبوري، وكل الكوادر الجامعية المشاركة في هذه الندوة العلمية التي تأتي ضمن سلسلة الأنشطة تخليدا للذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، وأشار الكركوري إلى السياق الوطني والدولي الذي تستمد منه هذه الندوة أهميتها، مؤكدا على ما شهدته القضية الوطنية من تحولات إيجابية مؤخرا، أبرزها اعتماد الأمم المتحدة مقترح الحكم الذاتي كحل واقعي وذو مصداقية ضمن السيادة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة، واستعرض السيد العميد أبرز المحطات التاريخية للنضال الوطني منذ المسيرة الخضراء سنة 1975، مرورا بانسحاب إسبانيا وموريتانيا، واعتلاء الملك محمد السادس العرش، وإطلاق النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، إلى جانب المبادرات الدبلوماسية الناجحة على الصعيدين الإقليمي والدولي، منها فتح القنصليات والدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، وصولا إلى المشاريع التنموية الكبرى بالداخلة والعيون التي جعلت الصحراء المغربية قاطرة للتنمية على الصعيد الوطني والإفريقي، وأكد الكركوري أن الندوة تندرج ضمن الجهود الأكاديمية لترسيخ الثقافة الوطنية ودور الجامعة في الدبلوماسية الموازية، من خلال إنتاج المعرفة العلمية حول قضية الصحراء المغربية ونشرها بلغات متعددة، وتمكين الطلبة والباحثين من الدفاع عن القضية الوطنية في المحافل الدولية، كما سجل طلبة الكلية نجاحا في الترافع عن المغرب بالأمم المتحدة، ما يعكس قدرة الأكاديمية المغربية على المساهمة في صناعة الرأي العام الدولي بشأن الوحدة الترابية، واختتم كلمته بتوجيه الشكر الجزيل لكل من ساهم في إنجاح هذا اللقاء العلمي، من أساتذة ومختبرات ولجان تنظيمية وإدارية، مؤكدا على أهمية هذه الندوة في استحضار إرث المسيرة الخضراء واستشراف مستقبل التنمية والاستقرار في الصحراء المغربية.
كلمة رئيس شعبة التاريخ الحكم الذاتي
استهل الأستاذ محمد بوزيان، رئيس شعبة التاريخ بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل، كلمته بالتعبير عن فخره واعتزازه بالمشاركة في هذه الندوة العلمية، موجها الشكر لرئيس الجامعة وعميد الكلية ونواب العميد والسادة الأساتذة والحضور الكريم، كما أثنى على دعم العمادة ومختبر التاريخ والتراث والمجتمع والتنمية واللجنة المنظمة، مشيدا بدور الأستاذ سعيد البوزيدي في تذليل الصعاب وتوجيه التحضيرات، وأشار بوزيان إلى أن الندوة تأتي لاستحضار محطة تاريخية فارقة في تاريخ المغرب المعاصر، والتركيز على الجهود الدبلوماسية المتواصلة التي قادتها المملكة عبر مختلف أشكال الدبلوماسية: الرسمية، الأكاديمية، الموازية، وحتى الرياضية، لتكريس حل سلمي وقابل للتطبيق لقضية الصحراء المغربية، مؤكدا أن المغرب وصل اليوم إلى مرحلة حاسمة، تمثلت في القرار الأممي الذي أقر بالحكم الذاتي كحل واقعي للمناطق الجنوبية، وأن الاجتماع الأخير الذي جمع مستشاري جلالة الملك مع الأحزاب السياسية من أجل تفعيل هذا القرار بطريقة شاملة ومتوازنة، تراعي خصوصية المنطقة وتاريخها، لتحقيق تنمية متكافئة مع بقية الأقاليم الوطنية، بعيدا عن ما وصفه جلالة الملك “بالمغرب الذي يسير بسرعتين”، واختتم بوزيان بالتأكيد على أن انخراط الشعب وكل مكونات المجتمع في هذا النقاش يجسد التاريخ الوطني ليس رصد للماضي، بل تاريخ المستقبل، لتعزيز الوحدة الوطنية وتوطيد البناء المؤسساتي والتنمية المستدامة بالصحراء المغربية.
كلمة مدير مختبر التاريخ والتراث والمجتمع والتنمية
استهل مدير مختبر التاريخ والتراث والمجتمع والتنمية، الأستاذ حميد الفاتحي، كلمته بالتحية للحضور، من نائب رئيس الجامعة وعميد الكلية، إلى الأساتذة والطلبة وضيوف الندوة، مبرزا حضور شخصيات بارزة مثل السفير السابق حسن عبد الخالق والأستاذ علي الغنبوري، إلى جانب الإذاعة الوطنية، وأشار الفاتحي إلى أن المسيرة الخضراء، التي أطلقها الملك الحسن الثاني في 16 أكتوبر 1975، تحولت لاحقا في نونبر من فكرة إلى واقع ملموس على الأرض، مؤكدا أن المغرب واجه منذ ذلك الحين تحديات عدة للحفاظ على وحدته الترابية، لمواجهة محاولات خصومه لزعزعة السيادة على الأقاليم الجنوبية، قبل أن يتحقق الاعتراف الدولي بهذه السيادة، وأوضح أن المسيرة الخضراء مثلت “ساعة الحسم” في تاريخ المملكة، فيما شكلت سنة 2025 “سنة الحسم” لتأكيد السيادة المغربية وترسيخ التنمية بالأقاليم الجنوبية، مشيرا إلى أن الاحتفالات الأكاديمية بجامعة ابن طفيل تأتي ضمن إطار “أسبوع التاريخ” الذي يبرز الهوية الوطنية ويجسد روح الانتماء بين الطلبة، واختتم الفاتحي كلمته بالتأكيد على أن المغرب دولة عريقة، تدافع عن مبادئها وتواصل مسارها التنموي والسيادي بشرف، مستحضرا مقولة شاعر عراقي عن أكتوبر باعتباره “شهر النصر”، ورمزا لحب الأرض والسلام والعدالة، ومبرزا قيمة الاحترام للمواطنين والمجتمع.
الجلسة العلمية الأولى
أدارت الجلسة الأولى الدكتورة نعيمة الحضري التي أكدت في كلمتها الافتتاحية على أهمية هذا اللقاء لترسيخ الوعي الأكاديمي بالقضية الوطنية، معتبرة أن النقاش العلمي الرصين يوازي في أهميته النضال الدبلوماسي والسياسي من أجل صون الوحدة الترابية، شارك في هذه الندوة نخبة من الأساتذة والباحثين المرموقين، وأوضحت أن المداخلات المنتظرة ستثري النقاش العلمي والأكاديمي، بما يساهم في تقديم رؤى معمقة حول تطورات ومستقبل الصحراء المغربية، وأشارت الحضري إلى أن هذه الندوة المنظمة بإشراف كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية ومختبر “التاريخ والتراث والمجتمع والتنمية”، بالتعاون مع شعبة التاريخ ومركز دراسات الدكتوراه، لتشكل منصة لتبادل الخبرات والأفكار حول المسار التاريخي والسياسي والتنموى للأقاليم الجنوبية، استهلت الجلسة بمداخلة السفير حسن عبد الخالق، رئيس سابق لديوان الرئيس الأول لمجلس النواب، ونائب برلماني سابق “2002-2007″، إلى جانب مسيرته الصحفية كصحفي ورئيس تحرير سابق لجريدة “العالم”، ومؤلف كتاب “البوليساريو: لعبة تحت المجهر” الصادر سنة 1992، الذي يقدم تحليلا دقيقا لتاريخ النزاع ومستجداته الراهنة.
مداخلة السفير حسن عبد الخالق
افتتح السفير حسن عبد الخالق كلمته بالترحيب بالسادة الحضور، مشيدا بالندوة التي تنعقد بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، في ظل صدور القرار الأممي 2797 بتاريخ 31 أكتوبر الماضي، مؤكدا أن القضية الوطنية ظلت منذ الاستقلال محور محاولات متكررة للتلاعب بها من مصالح وقوى خارجية، في مواجهة الحق الثابت للمغرب في استكمال وحدته الترابية، وأشار عبد الخالق إلى أن المغرب خضع لاستعمار متعدد الجنسيات، لاستكمال الاستقلال سنة 1956، واستعادة مدينة طنجة وطرفاية، وبقيت مناطق سيدي إفني والصحراء تحت الاستعمار الإسباني، قبل استرجاع سيدي إفني سنة 1969، ما يوضح أن الاستقلال لم يشمل كامل التراب الوطني آنذاك، وتناول السفير المراحل الحاسمة في المسار التاريخي للقضية، بدءا من تسجيل الملف لدى الأمم المتحدة سنة 1963، وقرارها 2072 لسنة 1965، وصولا إلى المسيرة الخضراء في نونبر 1975 التي قادها الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه، بمشاركة 350 ألف متطوع، وتوقيع اتفاق مدريد في 14 نونبر 1975 الذي أعاد السيادة المغربية على الصحراء، وأوضح أن تدخل النظام الجزائري عبر دعم ما يسمى بالجمهورية الصحراوية الوهمية، ومحاولات تقسيم الصحراء، الذي قاد إلى صراعات متعددة الأبعاد، دبلوماسية وعسكرية وسياسية، قبل أن تفرض الأمم المتحدة خطة التسوية في 1991 بقرار 690، وإحداث بعثة المينورسو لتنظيم استفتاء على الهوية الصحراوية، وهو ما أثبتت صعوبته لاحقا، ما أدى إلى تبني البحث عن حل سياسي تفاوضي، وأكد عبد الخالق أن المغرب تجاوب مع المبادرات الأممية، وطرح مبادرة الحكم الذاتي في أبريل 2007، كإطار تفاوضي واقعي يستجيب لحق تقرير المصير واحترام السيادة الوطنية، موقف كرسه القرار الأممي الأخير 2797، الذي اعترف بالواقعية والشرعية المغربية، مؤكدا أن المغرب يمارس سيادته كاملة على الصحراء، وأن هذه المبادرة تمثل أساسا لحوار بناء مع الأطراف المعنية دون إلغاء للحقوق التاريخية والشرعية للمملكة، واختتم السفير مداخلته بالتأكيد على أن القرار الأممي الأخير يجسد مرحلة جديدة لتثبيت الوحدة الترابية، وتقوية موقع المغرب على الساحة الدولية، وأن “المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها”، في إطار شرعي ودبلوماسي رصين.
رؤية سوسيولوجية في مسار الوحدة والبناء
قدم الدكتور مبارك طايعي، أستاذ علم الاجتماع بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل، مداخلة تحليلية معمقة ضمن فعاليات الندوة الوطنية حول “الصحراء المغربية: حاضر ومستقبل”، حيث ركز على الربط البنيوي بين وحدة التراب والتنمية الشاملة، استهل كلمته بتوجيه الشكر للجهة المنظمة، مشيدا باختيار عنوان الندوة الذي يجمع بين استحضار الذاكرة الوطنية ورهانات التنمية المستقبلية، مؤكدا أن شعار “من مسيرة التحرير إلى مسيرة الوحدة والتنمية” تعكس جوهر المشروع المغربي، الذي انتقل من تحرير الأرض إلى بناء الإنسان والمجال، مشيرا أن المرحلة الراهنة تمثل منعطفا حاسما في مسار التنمية الترابية، لاسيما بعد تثبيت الاعتراف الدولي بالوحدة الترابية، مما يعكس نجاح المقاربة الدبلوماسية والسياسية المصاحبة للفعل الميداني، وأكد أن التنمية لم تكن يوما منفصلة عن استكمال الوحدة الترابية، بل ارتبطت بها بنيويا منذ الاستقلال، في سياق تحديات بناء الدولة الحديثة بعد 1956 واستمرار أجزاء من التراب الوطني تحت الاستعمار، واستعرض مبارك طايعي دور الرؤية الملكية، ولا سيما بعد رأي محكمة العدل الدولية سنة 1975، لإرساء الأسس القانونية والسياسية للمسيرة الخضراء، التي جسدت فعلا جماعيا لإعادة توحيد التراب الوطني والانتماء الوطني المشترك، وأوضح بيّن العلاقة المسار التنموي الداخلي والمكانة القارية والدولية للمغرب، مشيرا إلى أن الزيارات الملكية المكثفة لإفريقيا أطلقت دينامية شراكة استراتيجية جديدة، أثمرت في أكثر من ألف اتفاقية تعاون مع 25 دولة إفريقية، وأعادت للمغرب موقعه التاريخي كفاعل محوري في التعاون جنوب–جنوب، وتوقف المتدخل عند التحولات الكبرى منذ مطلع الألفية الثالثة، حيث انتقل المغرب إلى مقاربة شمولية للتنمية، تراعي العدالة الاجتماعية والتنمية البشرية، عبر برامج وطنية رائدة منها، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية 2005، التي جعلت الإنسان محور كل فعل تنموي، مما مهد لانتقال الدولة من نموذج “التنمية القطاعية والمجالية” إلى التنمية الترابية الشاملة والمتوازنة اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا، وأكد طايعي أن مبادرة الحكم الذاتي لسنة 2007 جاءت تتويجا لمسار طويل من التفكير في ربط التنمية بالوحدة الترابية، لكونها ليست حل سياسي للنزاع، بل إطار مؤسساتي لإدارة التنمية وفق مقاربة تشاركية ولامركزية، توجه رسّخه دستور 2011 عبر الجهوية المتقدمة، ما جعل الجهات فاعلا أساسيا في إعداد برامج التنمية وتصميم التراب الوطني، واستعرض المتدخل النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي أعلن عنه جلالة الملك سنة 2015، مشيرا إلى أنه رسخ اللامركزية الاقتصادية والسياسية، وحول الأقاليم الجنوبية إلى قطب استراتيجي للتنمية الوطنية والإفريقية، لترسيخ الحضور الدبلوماسي وافتتاح قنصليات متعددة بالعيون والداخلة، وإطلاق مشاريع مهيكلة جعلت من الصحراء المغربية بوابة للتعاون جنوب–جنوب، واختتم الدكتور طايعي مداخلته بالتأكيد على الحكم الذاتي كرؤية تنموية متكاملة، تجسد توافق الوحدة الترابية مع التنمية الشاملة، والمغرب يعيش اليوم مرحلة “مسيرة ثانية”، عنوانها التمكين الاقتصادي والاجتماعي والإنساني للمجالات الترابية في ظل قيادة ملكية استشرافية تجعل من التنمية طريقا دائما لتجديد الوحدة الوطنية.
الحكم الذاتي بين شمال وجنوب المملكة
تناول الأستاذ علي الغنبوري، رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، في مداخلته الغنية والمركّزة، حول موضوع “الحكم الذاتي ومسألة التكامل الاقتصادي بين شمال وجنوب المملكة”، مؤكدا أن البعد الاقتصادي يشكل اليوم الركيزة الأساسية لترسيخ الوحدة الترابية المغربية وتعزيز موقع المملكة إقليميا ودوليا، وأوضح الغنبوري أن المغرب اعتمد في تدبير قضية الصحراء على ثلاثة مسارات متكاملة: _المسار التاريخي الذي يكرس شرعية الانتماء، _المسار الدبلوماسي الذي ثبّت الاعتراف الدولي، _ثم المسار الاقتصادي الذي جعل من التنمية رافعة استراتيجية للدفاع عن الوحدة الوطنية مبرزا أن المغرب أدرك مبكرا أن كسب رهان الصحراء لا يتحقق إلا بجعل الأقاليم الجنوبية جزءا عضويا من النسيج الاقتصادي الوطني، في علاقة تكاملية تجعل المغرب والصحراء كيانا واحدا في المصير والمصالح، وتوقف المتحدث عند التحول البنيوي في الاقتصاد المغربي خلال عهد جلالة الملك محمد السادس، موضحا أن تطوير المنظومة الاقتصادية الوطنية مرّ عبر معالجة أعطاب هيكلية كالعجز الطاقي والمائي، وتحديث سياسة الاستثمار، مع الانخراط في التصنيع المتقدم في مجال الطيران والسيارات والطاقات المتجددة والرقائق الإلكترونية، ما جعل المغرب فاعلا مؤثرا في سلاسل القيمة العالمية، وأشار الغنبوري إلى أن النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية الذي أُطلق سنة 2015 بميزانية تفوق 87 مليار درهم، مكن من إرساء بنية تحتية قوية تشمل الموانئ والطرق الكبرى، وتأهيل الكفاءات المحلية عبر الجامعات والمعاهد، إلى جانب مشاريع كبرى في الطاقة والمناطق الصناعية، مما جعل الصحراء المغربية قاطرة تنموية نحو إفريقيا، وفي قراءته للبعد الإفريقي، أكد أن المغرب بات اليوم قوة استثمارية كبرى في القارة، بفضل انخراطه في مشاريع استراتيجية منها: أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب والمبادرة الأطلسية، فضلا عن حضور الأبناك المغربية في أكثر من 15 دولة إفريقية، ما جعل المملكة شريكا اقتصاديا موثوقا تقوم على منطق “رابح–رابح”، واختتم الغنبوري مداخلته بالتأكيد على أن الحكم الذاتي ليس فقط حلا سياسيا للنزاع المفتعل، بل خيار تنموي متكامل يربط بين استقرار المغرب وقوته الاقتصادية، ويجعل من أقاليمه الجنوبية جسرا استراتيجيا للعمق الإفريقي، في ظل رؤية ملكية استشرافية تعتبر التنمية المستدامة أساسا للوحدة الوطنية.
من عمق التاريخ الى ترسيخ السيادة
قدم حميد اجميلي، أستاذ التاريخ بجامعة ابن طفيل، مداخلة علمية رصينة ضمن الجلسة الثانية «شذرات من ماضي الصحراء المغربية»، التي أدارها الدكتور حميد الفاتحي، تناول فيها موضوع «الصحراء المغربية زمن الدول المركزية»، مبرزا البعد التاريخي العميق الذي يجعل من المجال الصحراوي جزءا أصيلاً في تكوين الدولة المغربية ووحدة ترابها الوطني، استهل اجميلي مداخلته بالتأكيد على أن التاريخ أنصف المغرب في قضيته الوطنية، إذ لم تعرف الصحراء عبر العصور وجود أي كيان منفصل أو مشبوه، مبرزا أن دراسة الصحراء في سياق الدول المركزية كشفت دورها المحوري في بناء الدولة المغربية وترسيخ سيادتها من خلال تكامل المركز والأطراف، وأوضح أن الصحراء لم تكن يوما هامشا جغرافيا، بل كانت فضاءا حضاريا نابضا بالحياة السياسية والاقتصادية والدينية، ومركزا للتفاعل بين الشمال والجنوب، بين الأندلس وإفريقيا، وبين المغرب وعمقه الصحراوي، وفي قراءته التاريخية، أبرز أن الدولة المرابطية انطلقت من عمق الصحراء لتوحيد المغرب تحت راية واحدة، معتمدة المذهب المالكي كإطار جامع تجاوز العصبيات القبلية. أما الموحدون، فواصلوا هذا النهج بإدراكهم البعد الاستراتيجي للصحراء كمجال للتجارة العابرة للقارات، مما جعلهم يربطون الجنوب بالمراكز الحضرية الكبرى في الشمال، وأضاف أن المرينيين، رغم تركيزهم على تثبيت سلطتهم في شمال البلاد، حافظوا على الصحراء كفضاء تجاري وثقافي حيوي، معتمدين سياسة التحالفات المحلية لضمان الأمن والاستقرار، أما في العهد السعدي، فقد بلغت مركزية الصحراء ذروتها، إذ تحولت إلى قاعدة استراتيجية للدفاع والتمدد الاقتصادي، ومنطلق لبناء قوة سياسية مركزية ذات نفوذ إقليمي ودولي، واختتم الأستاذ اجميلي مداخلته بالتوقف عند الدولة العلوية، التي رسخت الوجود المغربي في عمق الصحراء، معتمدة مقاربة مؤسساتية متطورة في تدبير المجال الصحراوي وتحصين الوحدة الترابية، مشيرا إلى السلاطين العلويين، وعلى رأسهم السلطان محمد بن عبد الله، أدركوا مبكرا أهمية الصحراء في مواجهة الأطماع الأجنبية، فعملوا على تأمينها ودمجها في النسق الوطني، واختتم قوله إن المغرب، الذي استعاد صحراءه بمسيرة سلمية ووطنية خالدة، وتأكيد حقيقة تاريخية راسخة مفادها أن المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها.
رؤية ملكية موحدة للدفاع عن الصحراء المغربية
قدّم مصطفى نعيمي، أستاذ بجامعة ابن طفيل، قراءة تحليلية أكاديمية رصينة بعنوان: “الصحراء المغربية في سياسة الملكيتين: الحسن الثاني ومحمد السادس”، تناول فيها البعد التاريخي والسياسي للمسيرة الخضراء باعتبارها محطة فارقة في مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة، استهل الأستاذ نعيمي مداخلته بالتأكيد على أن السادس من نونبر ليس تاريخ في التقويم الوطني، بل رمز لمرحلة حاسمة أنقذت البلاد من تهديدات مصيرية، معتبرا أن المسيرة الخضراء لم تكن حدثا عابرا، بل ثمرة لمجهودات متراكمة واستراتيجية دقيقة أدارها الراحل الملك الحسن الثاني بحنكة وذكاء نادرين، وأوضح أن فهم قضية الصحراء المغربية يقتضي العودة إلى جذورها التاريخية، فالتاريخ ـ كما قال ـ “سلسلة مترابطة لا تقبل الانفصال”، وكل ما يعيشه المغرب اليوم له امتداد في ماضيه، واستعرض السياق التاريخي الذي شهدته البلاد خلال القرن التاسع عشر، حين واجه المغرب هجمة استعمارية غير مسبوقة من القوى الأوروبية، رغم كونه دولة مستقلة خلافا لغالبية الدول العربية التي كانت تحت الوصاية العثمانية، وأضاف أن سلاطين الدولة العلوية تمكنوا بفضل حنكتهم من تأجيل الاحتلال عبر سياسة تفاوضية ذكية واتفاقيات ثنائية، إلى فرض الحماية سنة 1912 بعد تقسيم التراب الوطني بين فرنسا وإسبانيا والمنطقة الدولية في طنجة، وأشار نعيمي إلى أن ما ميز المغرب في تلك المرحلة قدرته على إدارة أزماته بحكمة، وتجميع قواه الوطنية رغم التشتت الاستعماري، لكنه شدد على أن التحدي الأخطر الذي واجهه المغرب كان بعد الاستقلال، في ملف الصحراء المغربية، الذي اعتبره “امتحانا لوجود الدولة المغربية نفسها”، وفي حديثه عن المسيرة الخضراء، أبرز المتحدث أن الحدث لم يكن عملا عفويا، بل نتيجة تخطيط محكم بدأ منذ سنة 1974 في ظرف دولي صعب، حيث كان المغرب يواجه وحده معسكرات سياسية متصارعة، كانت الجزائر تضع الصحراء ضمن أولويات أمنها القومي، وحاولت إسبانيا خلق كيان مصطنع عبر التجنيس والاستفتاء، بينما ادعت موريتانيا انتماء قبائل الصحراء إليها، ورغم كل ذلك، استطاع الحسن الثاني، بفضل رؤيته الاستباقية، تحويل الأزمة إلى لحظة إجماع وطني جسدها الشعب المغربي في المسيرة الخضراء السلمية، وأضاف الأستاذ نعيمي أن عبقرية الراحل الحسن الثاني تجلت في الجمع بين الشرعية الدينية والسياسية والشعبية، مما مكنه من استرجاع الأقاليم الجنوبية بطريقة حضارية غير مسبوقة في التاريخ الحديث، لم تكن المسيرة الخضراء قرار سياسي، بل كانت ملحمة وطنية صنعها التلاحم العميق بين العرش والشعب، وانتقل المتحدث بعد ذلك إلى عهد الملك محمد السادس، مؤكدا أن الجيل الجديد من القيادة الملكية واصل البناء على الأسس التي أرساها الحسن الثاني، لكن برؤية تنموية متجددة، يعد المقترح المغربي للحكم الذاتي، الذي قدّمه المغرب سنة 2007، مبادرة جريئة لا تقدم عليها سوى الدول الواثقة من مؤسساتها، لأنها يتجسد انتقال القضية من منطق التحرير إلى منطق التنمية والاستقرار الإقليمي، واختتم الأستاذ نعيمي مداخلته بالتأكيد على أن المسيرة الخضراء ليست فقط حدثا في الماضي، بل مشروعا مستمرا يتجدد في عهد الملك محمد السادس، الذي جعل من الأقاليم الجنوبية نموذجا للجهوية المتقدمة، ومن الصحراء المغربية بوابة استراتيجية للحضور الإفريقي والدولي للمملكة.
من نقل الخبر إلى الترافع عن القضية
قدم الصحفي بالإذاعة الوطنية سعيد معواج مداخلة تحت عنوان: “الصحراء المغربية في السياسة الملكية”، تناول فيها دور الإعلام كرافد أساسي في ترسيخ الوعي الوطني وتوثيق الذاكرة الجماعية المرتبطة بالقضية الوطنية، مؤكدا أن “الإعلام ليس أداة إخبارية، بل وسيلة للأرشفة وصناعة التاريخ”، بدأ معواج تحليل مفاهيم الإعلام الذي مارس دورا تاريخياًد موازيا للأكاديميا والمجتمع المدني، مبرزا أن تطور الخطاب الإعلامي حول الصحراء المغربية، من نقل الخبر إلى منظور ترافعي وطني يدافع عن الثوابت ويعزز المرافعة المغربية في الداخل والخارج، وأشار إلى أن الدراسات الحديثة، من بينها تقرير المجلس الوطني للصحافة سنة 2022، أبدت أن 87% من الصحافيين الذين يعتبرون قضية الصحراء المغربية أولوية تحريرية، ما يعكس التزاما مهنيا ووطنيا متجذرا، وأوضح أن التحول الإعلامي في هذا الملف شمل توسيع دوائر التأثير عبر الوسائط المتعددة واللغات المتنوعة، مما مكن من توجيه الخطاب الوطني إلى الرأي العام الدولي بلغة الدبلوماسية الحديثة، واستشهد بتجارب إعلامية بارزة جسدت هذا التحول، منها: البرامج الوثائقية “الحقيقة والتاريخ” وتقارير وكالة المغرب العربي للأنباء، إضافة إلى التغطيات المكثفة عقب الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه سنة 2020، والتي كرست الإعلام الوطني كذاكرة حية توثق التحولات السياسية والدبلوماسية في القضية، وشدد معواج على أن الإعلام المغربي أصبح اليوم فاعلا استراتيجيا يواكب السياسة الملكية في الدفاع عن الوحدة الترابية، مشيرا إلى أن الخطاب الإعلامي الجديد يقوم على المرجعية القانونية والدبلوماسية الدقيقة، من خلال تبني المفاهيم الصحيحة مثل “الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية” كمقترح واقعي وذي مصداقية، واختتم مداخلته بالتأكيد على أن الإعلام المغربي بلغ مرحلة النضج والفاعلية الاستراتيجية، إذ لم يعد ناقلا للأحداث، بل أصبح ركيزة في بناء الوعي الوطني، وتثبيت الذاكرة الجماعية، ودعم المرافعة عن القضية الأولى للمغاربة بمختلف المحافل الدولية.















