فوضى داخلية تعمق أزمة البوليساريو وتهدد الإستقرار بتندوف

May 01, 2026 /
بقلم: مليكة بوخاري

فوضى داخلية تعمق أزمة البوليساريو

تشهد مخيمات تندوف في الآونة الأخيرة تحولات متسارعة لم تعد تختزل في نطاق الاحتكاكات القبلية و النزاعات الظرفية، بل كشفت عن أزمة بنيوية عميقة تمس أسس التحكم الأمني ومقومات الشرعية السياسية “للبوليساريو”، يجسد هذا المشهد المركب، حيث تتقاطع مظاهر الفوضى المسلحة وتنامي شبكات الجريمة العابرة للحدود، ايضا حالة تفكك داخلي متنام واحتقان اجتماعي غير مسبوق، يتغذى بدوره من تصدعات متزايدة داخل هرم القيادة

مفترق حاسم في تندوف

يعيد هذا المشهد، في عمقه الاستراتيجي، طرح إشكالية نموذج اللجوء الممتد لأكثر من خمسة عقود، والذي أفضى إلى واقع مأزوم يضع المنطقة أمام مفترق طرق، فقد أضحت رهانات الانفصال في التآكل التدريجي، مقابل تصاعد الزخم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، باعتبارها الخيار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق لتسوية النزاع، وفي المقابل، تتزايد التحذيرات من انزلاق المخيمات للتحول إلى بؤرة توتر مزمنة ضمن الحزام الهش لمنطقة الساحل، كشفت قراءة في دينامية الأحداث داخل المخيمات عن ثلاثة مستويات متداخلة للأزمة:
1_انهيار منظومة الضبط الأمني، حيث لم تعد “البوليساريو” قادرة على احتواء العنف أو فرض النظام، في ظل فراغ أمني تستثمره شبكات التهريب والأنشطة غير المشروعة ذات الامتدادات الإقليمية، ما يكرس هشاشة بنيوية متراكمة وتساؤلات جدية حول أدوات السيطرة المعتمدة، كل ما في ذلك استخدام عناصر خارجة عن القانون.
2_تتجلى في تصدعات بنيوية داخل القيادة، وانقسامات حادة بين تيارات متباينة، بعضها يدفع للتصعيد العسكري، فيما يراهن آخرون على استئناف المسار التفاوضي، هذا التداخل يعمق الارتباك الاستراتيجي، ويضع القيادة في موقع دفاعي داخل سياق دولي يتسم بمظاهر العزلة.
3_تتصاعد المقاربة الأمنية الصارمة كبديل عن التدبير السياسي، حيث لوحظ تكثيف نقاط التفتيش والدوريات المسلحة، بالتوازي مع تزايد حالات الاعتقال التعسفي، لاحتواء الغضب الشعبي ومنع أي تحركات احتجاجية أو محاولات مغادرة المخيمات، تبدو هذه المفاربة، في واقع الأمر، عاملا مضاعفا للتوتر، إذ تغذي منسوب الاحتقان بدل احتوائه، ولا يمكن فصل هذه التطورات عن سياقها الدولي، لاسيما تزامنها مع مناقشات مجلس الأمن بشأن ملف الصحراء، حيث شدد قيادة “البوليساريو” قبضتها الأمنية خلال المحطات الأممية الحساسة، من أجل التحكم في تدفق المعلومات والحد من أي الاحتجاجات التي تنعكس على موقعها التفاوضي.

المخيمات بين العنف والفوضى

أوضحت الاشتباكات الميدانية التي هزّت مخيمي السمارة والعيون عن منحى مقلق ينذر بانزلاق الوضع نحو مستويات أكثر حدة من العنف، في ظل تحوّل هذه الأحداث من وقائع معزولة إلى جزء من دينامية تصعيدية تعكس تراجع السيطرة وغياب آليات الردع، وفي هذا السياق، يبرز تنامي نفوذ شبكات التهريب، ولا سيما المرتبطة بالمخدرات، التي تستثمر في هشاشة الأوضاع لتوسيع نشاطها عبر الممرات الممتدة لمنطقة الساحل، في المقابل، تجد الجزائر نفسها أمام معادلة دقيقة ومعقدة، تتداخل فيها ضغوط حقوقية دولية متزايدة بشأن أوضاع المخيمات مع مخاطر الانخراط المباشر، الذي قد يفضي إلى تغذية التصعيد بدل احتوائه، ما يضعها في موقع بالغ الحساسية كطرف حاضن، تتعاظم مسؤوليته في تدبير تداعيات هذا الملف، ولم تعد التطورات الجارية في مخيمات تندوف مجرد انعكاس لصراعات داخلية محدودة، بل باتت تعبيرًا عن تحولات أعمق، تتجلى في تآكل الشرعية الداخلية لـ“البوليساريو” وتعثر رهاناتها الإقليمية، في مقابل تسارع الزخم الدولي الداعم لمقترح الحكم الذاتي، ويظل التحدي الأبرز متمثلا في خطر تحول هذه المخيمات إلى بؤرة فوضى مزمنة، تتقاطع مع خطوط التصدع الأمني في منطقة الساحل، بما من شأنه أن يعقد آفاق أي تسوية سلمية، حتى في ظل توفر الإرادة السياسية.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×