السرطان يعيد برمجة بيئته عبر خلايا غير مستقرة وراثيا

السرطان يعيد برمجة بيئته عبر خلايا

لطالما شكلت الخلايا السرطانية أحد أكثر النماذج البيولوجية تعقيدا، نظرا لقدرتها على الإفلات من الأنظمة الطبيعية التي تضبط نمو الخلايا وانقسامها، ومن بين أبرز الاختلالات المرتبطة بها ظاهرة تضاعف المادة الوراثية بشكل كامل داخل بعض الخلايا، ما يؤدي لإحداث نسخ غير مستقرة تحتوي على عدد مضاعف من الكروموسومات، وهي الحوامل الأساسية للمعلومات الجينية.

خلايا تغير مسار المرض

لا يقتصر دور هذه الخلايا الشاذة على كونها مكونا داخل الكتلة الورمية، بل تشير البيانات العلمية إلى مساهمتها الفعلية في تسريع تطور السرطان وطابعه العدواني، ما يرفع من قدرته على الانتشار ويزيد من تعقيد استجابته للعلاج، وفي هذا السياق، تمكن فريق بحثي من معهد فيرجينيا تيك بالولايات المتحدة من التوصل إلى نتائج جديدة تكشف الآليات الكامنة وراء تحول بعض الأورام إلى نماذج أكثر شراسة ومقاومة للخيارات العلاجية المتاحة، وقد أبدت الدراسة، المنشورة في دوريتي Proceedings of the National Academy of Sciences وCancer Research، أن وجود نسبة محدودة جدا من هذه الخلايا كفيلة بإحداث تغييرات عميقة في البيئة الحيوية المحيطة بالورم، ما ينعكس بشكل مباشر على مسار تطوره وسلوكه المرضي، توفر هذه النتائج فهما أوسع للعوامل التي تتحكم في اختلاف درجات خطورة الأورام، كما تفتح آفاقا لتطوير أدوات تشخيصية أكثر دقة قادرة على تحديد الحالات عالية الخطورة في مراحل مبكرة، ما قد يساهم مستقبلا في تحسين فرص التدخل العلاجي قبل بلوغ المرض مراحل متقدمة يصعب احتواؤه.

السرطان يعيد تشكيل بيئته

تعرف هذه الخلايا في الأوساط العلمية باسم الخلايا رباعية الصيغة الصبغية، وهي خلايا تمتلك أربع مجموعات كاملة من الكروموسومات بدلا من مجموعتين فقط كما هو الحال في الخلايا السليمة، وفي الظروف الطبيعية، تمر الخلية بعملية انقسام دقيقة تضمن نسخ المادة الوراثية وتوزيعها بشكل متوازن بين الخلايا الجديدة، غير أن أي اضطراب في هذه الآلية قد يؤدي إلى تضاعف عدد الكروموسومات، ظاهرة ترتبط بشكل متكرر بالعديد من أنواع السرطان، خاصة تلك التي تتسم بسرعة النمو وضعف الاستجابة للعلاجات المتاحة، لاحظ الأطباء منذ سنوات وجود علاقة وثيقة بين ظهور هذه الخلايا وتفاقم الحالة المرضية، فإن الأسباب البيولوجية الكامنة وراء تأثيرها الكبير في مسار الأورام ظلت غير واضحة بشكل كامل، ومن هذا المنطلق، كرّس فريق بحثي من جامعة فيرجينيا تيك جهوده لدراسة التحولات التي تطرأ على الخلية فور اكتسابها نسخة إضافية من مادتها الوراثية، في محاولة لفهم الدور الذي تؤديه في تطور السرطان، واعتمد الباحثون على نموذج مخبري مكنهم من إنتاج خلايا رباعية الصيغة الصبغية عبر تحفيز خلايا طبيعية على مضاعفة حمضها النووي دون استكمال عملية الانقسام، نتج عن ذلك خلايا تحتوي على ضعف المحتوى الجيني المعتاد، ما أتاح للعلماء مراقبة سلوكها ومقارنتها بخلايا سرطانية تقليدية داخل نماذج حيوانية، وأظهرت النتائج معطى يتمثل في أن عدد هذه الخلايا يتراجع تدريجيا مع تقدم الورم، إلا أن هذا التراجع لا ينعكس على وتيرة نموه، بل يحدث العكس تماما، إذ يستمر الورم في التوسع بوتيرة متسارعة، ويشير هذا الاكتشاف إلى أن أهمية هذه الخلايا لا تكمن في بقائها داخل الورم بقدر ما ترتبط بالتغييرات التي تحدثها في محيطه الحيوي خلال المراحل الأولى من تطوره، كما كشفت الدراسة أن الخلايا رباعية الصيغة الصبغية تمتلك قدرة على استقطاب ما يعرف بالخلايا السدوية، وهي الخلايا المسؤولة عن دعم الأنسجة وربط مكوناتها، حيث تدفعها إلى لعب دور مساند للورم عبر توفير بيئة أكثر ملائمة لتغذيته ونموه، وبذلك تتحول الأنسجة المحيطة من عنصر داعم للجسم إلى شريك غير مباشر في تسهيل انتشار الخلايا السرطانية وتطورها.

دور خفي في نمو السرطان

تجسد هذه المعطيات العلمية الفرضية القائلة إن السرطان لا يتطور بمعزل عن محيطه الخلوي، بل يستند إلى منظومة معقدة من التفاعلات البيولوجية مع الخلايا المجاورة، التي قد تعيد توجيهها لخدمة بقائه وتسهيل تمدده داخل الجسم، وفي هذا السياق أوضحت الباحثة ميجان سويت، العضو ضمن الفريق العلمي المشرف على الدراسة، أن وجود عدد محدود من الخلايا رباعية الصيغة الصبغية تكفي لاستقطاب مزيد من الخلايا السليمة ودفعها إلى المساهمة في تغذية الورم ونموه، ويمنحه قدرة أكبر على التوسع والانتشار، وتشير النتائج إلى أن خطورة هذه الخلايا لا ترتبط فقط بدورها المباشر في زيادة الكتلة الورمية، بل تمتد إلى قدرتها على إعادة تشكيل البيئة المحيطة بالورم وتحويلها إلى فضاء بيولوجي داعم لتقدمه، الأمر الذي يضاعف من تعقيد مواجهة المرض، ومن زاوية أخرى، كشف الباحث مات بلومفيلد عن ملاحظة بيولوجية، تتمثل في أن هذه الخلايا تبدو أصغر حجما بنسبة تتراوح بين 25 و30 في المائة مقارنة بما يفترض أن تكون عليه، رغم احتوائها على كمية مضاعفة من المادة الوراثية، والأكثر إثارة أن الدراسة أظهرت ارتباط هذا الحجم الأصغر بسلوك أكثر شراسة، إذ تتميز هذه الخلايا بمعدلات نمو مرتفعة، وقدرة أكبر على اختراق الأنسجة السليمة، وعن مقاومتها المتزايدة للعلاجات الموجهة لمكافحة السرطان، من جهتها، أكدت الباحثة دانيلا سيميني أن هذه النتائج تفتح آفاقا جديدة لفهم ديناميات الأورام، مشيرة إلى أن حجم الخلية السرطانية قد يتحول مستقبلا إلى مؤشر بيولوجي مهم يساعد الأطباء على تقدير مستوى خطورة المرض واستشراف تطوره المحتمل، وتبرز هذه المعطيات حجم التعقيد الذي يطبع بيولوجيا السرطان، كما تؤكد أن فك خيوط التفاعلات الجينية والخلوية المرتبطة به ما يزال يتطلب جهودا بحثية إضافية، ويأمل العلماء أن يقود التعمق في دراسة هذه الخلايا غير الطبيعية إلى تطوير أدوات أكثر دقة للكشف المبكر عن الأورام عالية الخطورة، إلى جانب ابتكار مقاربات علاجية أكثر فاعلية للحد من انتشارها وتعزيز فرص المرضى في مواجهة المرض وتحسين نتائج العلاج.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×