المجلس العلمي الأعلى يؤصل لمواطنة الحقوق والواجبات

المجلس العلمي الأعلى يؤصل لمواطنة الحقوق

خصص المجلس العلمي الأعلى خطبة الجمعة ليوم 23 صفر 1448 هـ، الموافق 7 غشت 2026، لموضوع “الوطن والمواطنة بين الحقوق والواجبات”، مقدما معالجة تأصيلية تنطلق من المرجعية الإسلامية والثوابت الوطنية، وتؤكد أن المواطنة ليست انتماء جغرافي، بل منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات، ترتكز هذه الرؤية على مبدأ التوازن بين ما يلتزم الوطن بتوفيره لمواطنيه من حقوق وضمانات، وما يترتب على المواطنين من مسؤوليات لوطنهم، باعتبار هذا التوازن المدخل الأساس لترسيخ المواطنة وتماسك المجتمع وحماية استقراره.

المواطنة بين الحق والواجب

يجسد اختيار المجلس العلمي الأعلى لموضوع “الوطن والمواطنة بين الحقوق والواجبات” توجهاً يرمي إلى ترسيخ الوعي الجماعي بقيم الانتماء والمسؤولية، في انسجام مع المرجعية الإسلامية والثوابت الوطنية للمملكة، يأتي تعميم هذه الخطبة في سياق يتسم بتنامي النقاش العمومي حول عدد من القضايا الراهنة، من بينها تداعيات أحداث سبتة المحتلة، والجدل المرتبط بالرسوم المفروضة على الموظفين والأجراء الراغبين في استكمال دراستهم الجامعية. غير أن الخطبة اختارت الابتعاد عن مقاربة هذه الملفات بشكل مباشر، مفضلة تقديم رؤية تأصيلية تؤكد أن العلاقة السليمة بين المواطن ووطنه لا تُبنى بمنطق التجاذب أو تغليب الحقوق على الواجبات، وإنما على قاعدة متوازنة تجعل من الحقوق والالتزامات وجهين متكاملين للمواطنة، ويؤسس النص لمفهوم الوطن باعتباره فضاءً جامعاً للهوية والانتماء، سواء تعلق الأمر بالوطن الأصلي أو بالبلد الذي استقر فيه الإنسان وفق الضوابط الشرعية والقانونية، فيما يقدم المواطنة باعتبارها التزاماً أخلاقياً ومدنياً يتجاوز مجرد الانتماء الجغرافي، ليشمل الإخلاص للوطن، والاعتزاز بالانتساب إليه، والمساهمة الفاعلة في صون مقوماته، واحترام مؤسساته، والإسهام في مساره التنموي. ومن هذا المنطلق، تصبح المواطنة ممارسة يومية تتجسد في الوفاء بالواجبات بالقدر نفسه الذي تُمارس فيه المطالبة بالحقوق.

الوطن أمن وثوابت

تربط الخطبة في تناولها لحقوق الوطن، بين صدق الانتماء والحفاظ على الأمن والاستقرار، باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين لاستمرار العمران وتحقيق التنمية. كما تستحضر نماذج مضيئة من القرآن الكريم والسيرة النبوية، من خلال دعاء نبي الله إبراهيم عليه السلام لمكة بالأمن والرزق، وما عُرف عن الرسول صلى الله عليه وسلم من تعلق عميق بمكة والمدينة، لتؤكد أن حب الأوطان وصيانة أمنها ليسا مجرد شعور وطني، بل قيمة راسخة تؤصلها المرجعية الإسلامية وتترجمها الممارسة المسؤولة، ولا تقتصر الخطبة على البعد الأمني في مفهوم حماية الوطن، بل توسع دائرته لتشمل صون الثوابت الدينية والوطنية والثقافية، والحفاظ على الوحدة المعنوية والفكرية للمجتمع، مع التحذير من كل خطاب أو ممارسة من شأنها المساس بالأمن النفسي أو الروحي أو الفكري خارج إطار الثوابت الجامعة للأمة. وفي هذا السياق، تشدد على أن حرية التعبير، على أهميتها، تظل مرتبطة بمسؤولية احترام المرجعيات والقيم المؤسسة للنظام العام، بما يضمن التوازن بين صيانة الحريات والحفاظ على تماسك المجتمع ووحدته.

التوازن جوهر المواطنة

تشدد الخطبة في مقابل تأكيدها على واجبات المواطن لوطنه، على أن المواطنة الراسخة لا تستقيم إلا بصيانة حقوق المواطن وضمانها، وتضع في مقدمة هذه الحقوق حق الانتماء إلى الوطن، والعيش في ظل الأمن والاستقرار، وحماية الدين والنفس والعرض والمال، إلى جانب ترسيخ مبدأ المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، باعتبارها إحدى الدعائم الأساسية لدولة العدل والإنصاف، وتولي الخطبة اهتماما خاصاً بقطاعي التعليم والصحة، معتبرة إياهما ركيزتين محوريتين في بناء الإنسان ومقومات التنمية، وأن الارتقاء بهذين القطاعين ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل ورش جماعي تتقاسم أعباءه المؤسسات العمومية والعلماء ومختلف الفاعلين، بما يضمن تنمية الرأسمال البشري، وتماسك المجتمع واستقراره، وفي ختام رسالتها، ترسم الخطبة ملامح المواطن الصالح باعتباره من يوازن بين ما له من حقوق وما عليه من واجبات، ويجعل من الإخلاص في العمل، واحترام القانون، وخدمة الصالح العام، وحب الخير للآخرين، قيما ناظمة لسلوكه اليومي وممارساته المدنية، كما تختتم بالدعاء بأن يحفظ الله المغرب، ويديم عليه نعمة الأمن والاستقرار، ويحفظ أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، ويوفق جميع مكونات الأمة لما فيه خير الوطن ووحدته واستقراره.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×