رهان الحكومة على الرأسمال البشري
أفرد منشور رئيس الحكومة المتعلق بإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 حيزا محوريا لإصلاح منظومة التربية والتكوين والتشغيل، واضعا هذه الأوراش ضمن أبرز أولويات المرحلة المقبلة، يجسد هذا الاختيار توجها استراتيجيا يضع الاستثمار في الرأسمال البشري في صلب السياسات العمومية، باعتباره رافعة أساسية لتنافسية الاقتصاد الوطني، وترسيخ مقومات التنمية المستدامة، وتوسيع آفاق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.
التعليم رافعة بناء مغرب المستقبل
تراهن الحكومة من خلال مواصلة هذه الأوراش الإصلاحية، على إحداث تحول نوعي في أداء المدرسة العمومية، وتوسيع العرض الجامعي والتكويني، ما يعزز قدرته على مواكبة التحولات الاقتصادية والاستجابة للحاجيات المتجددة لسوق الشغل، يتقاطع ذلك مع توجه مواز لإعادة بناء منظومة التشغيل على أسس أكثر شمولا ونجاعة، ما يجعل الاستثمار في الرأسمال البشري مدخلا مركزيا للتنمية وترسيخ الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، وفي السياق ذاته، أكد رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن التربية والتكوين يشكلان أحد الأعمدة الأساسية لبناء مغرب المستقبل، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين جودة المنظومة التعليمية وبين تأهيل الموارد البشرية ورفع القدرة على الاندماج والمساهمة في الدينامية الاقتصادية والاجتماعية، يضع هذا التصور المدرسة في صلب مشروع التنمية، باعتبارها فضاءا لإنتاج الكفاءات وترسيخ تكافؤ الفرص وفتح آفاق أوسع أمام الأجيال الصاعدة، حيث شدد رئيس الحكومة، في السياق ذاته، على ضرورة مواصلة التعبئة المجتمعية لإنجاح الإصلاحات المنبثقة عن القانون الإطار رقم 51.17، وإعطاء الأولوية لتحسين جودة التعليم، والإنصاف وتكافؤ الفرص، والتصدي للفوارق الاجتماعية والمجالية التي لا تزال تلقي بظلالها على المسارات الدراسية لعدد من المتعلمين، يجسد هذا التوجه وعيا بأن إصلاح التعليم لا يختزل في تطوير المناهج والمؤسسات، وإنما يقتضي أيضا معالجة المحددات الاجتماعية والمجالية المؤثرة في فرص النجاح والاستمرار الدراسي، يبرز في مقدمة هذه الأوراش، تعميم التعليم الأولي باعتباره مدخلا أساسيا لبناء قاعدة تعليمية أكثر إنصافا وصلابة، بعدما بلغت نسبة التمدرس بالتعليم الأولي نحو 96.8 في المائة خلال الموسم الدراسي 2025-2026، وتواصل الحكومة، في هذا الإطار، جهودها لتسريع وتيرة التعميم واستكمال تغطية مختلف المناطق، ما يرسخ مبدأ تكافؤ الفرص منذ السنوات الأولى للتمدرس، في أفق بلوغ الهدف الوطني المحدد لسنة 2028.
إصلاح التعليم رهان المستقبل
تضع الحكومة إصلاح المدرسة العمومية والارتقاء بجودة التعليم في صدارة أولوياتها، من خلال توسيع نموذج “مؤسسات الريادة” باعتبارها أحد أبرز المداخل لإحداث تحول ملموس في الأداء التربوي، عبر اعتماد ممارسات تعليمية ناجعة، وربطها بمنظومة دقيقة لقياس النتائج وتتبع أثرها على التحصيل الدراسي، يكرس هذا التوجه انتقالا تدريجيا لمدرسة تقوم على النجاعة والنتائج، ولا تكتفي بتوفير شروط التمدرس، بل تجعل من جودة التعليم معيارا أساسيا لتقييم الإصلاح، وفي هذا السياق، يتواصل توسيع شبكة “مؤسسات الريادة” بالتعليم الابتدائي، بالتوازي مع تعميم التجربة تدريجيا على التعليم الإعدادي، ما يكرس توجها لإعادة بناء الممارسة التربوية على أسس أكثر فعالية، وتوفير بيئة مدرسية قادرة على الاستجابة للفوارق في مستويات التحصيل، لتعزيز فرص النجاح الدراسي، كما تراهن الحكومة على استكمال هذا الورش باعتباره مدخلا لإرساء نموذج مدرسي أكثر قدرة على رفع مستوى التعليم وتحسين مردودية المدرسة العمومية، موازاة مع ذلك، تحافظ سياسة الدعم الاجتماعي للتمدرس على موقعها ضمن مقاربة الإصلاح، من خلال مواصلة العمل بالصيغة الجديدة لمبادرة “مليون محفظة”، إلى جانب تطوير خدمات الإيواء والإطعام والنقل المدرسي، ولا سيما بالمناطق القروية والنائية، إذ تكتسي هذه التدابير أهمية خاصة في الحد من أثر العوامل الاجتماعية والمجالية على المسار الدراسي، وتكافؤ الفرص، وتقليص احتمالات الانقطاع المبكر عن الدراسة، تتجه الحكومة لمواجهة ظاهرة الهدر المدرسي، إلى توسيع العرض التربوي لمدارس الفرصة الثانية والمسارات البديلة، ما يتيح للمنقطعين عن الدراسة إمكانات جديدة للعودة إلى مسار التعليم أو التكوين، وإعادة بناء مستقبلهم الدراسي والمهني، يعكس هذا الورش إرادة في الانتقال من التعامل مع الانقطاع المدرسي باعتباره نهاية للمسار إلى اعتباره وضعية قابلة للمعالجة من خلال آليات أكثر مرونة واستجابة لحاجيات الشباب، يواكب ذلك توجه أوسع لتحديث المناهج وتطوير المهارات الرقمية واللغوية والتوجيه المدرسي والمهني، ما يجعل المدرسة أكثر انفتاحا على التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وأكثر قدرة على إعداد المتعلمين لمتطلبات المستقبل، ولم يعد الرهان مقتصرا على ضمان الولوج إلى المدرسة، بل بات ينصب على بناء مسار تعليمي متكامل يربط بين جودة التعليم والاستمرارية الدراسية وقابلية الاندماج في الحياة المهنية، يندرج القانون رقم 59.24، على مستوى التعليم العالي والبحث العلمي، ضمن مسار إعادة هيكلة حكامة القطاع وإرسائها على التخطيط الاستراتيجي والتعاقد بين الدولة والجامعات، من خلال وضع إطار مؤسساتي جديد يحدد التوجهات الكبرى للمنظومة ويعزز وضوح المسؤوليات وآليات التتبع والتقييم، كما يكرس هذا الإطار توجها لإرساء حكامة أكثر نجاعة، عبر اعتماد آليات جديدة للتدبير وأدوار مجالس الأمناء والمجالس الجامعية، موازاة مع ذلك، يفتح الإصلاح المجال أمام استراتيجية وطنية للبحث العلمي والابتكار ومنظومة معلوماتية وطنية موحدة لتدبير مؤسسات التعليم العالي، ما يرسخ التكامل بين مكونات المنظومة ورفع من قدرتها على إنتاج المعرفة ومواكبة التحولات الاقتصادية والمجتمعية، كما تتواصل إعادة هيكلة الخريطة الجامعية وإحداث مؤسسات جديدة، من بينها كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان بسطات والقنيطرة، إلى جانب تحويل بعض الكليات متعددة التخصصات إلى مؤسسات أكثر تخصصا، لتعزيز العدالة المجالية وربط العرض الجامعي بحاجيات الجهات والتحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد الوطني.
التكوين والتشغيل رافعة للتنمية
يجسد التكوين المهني بدوره موقعا مركزيا ضمن الرؤية الحكومية، باعتباره رافعة أساسية لربط التأهيل بالكفاءة والإنتاجية والقدرة التنافسية للمقاولات، لضمان استجابة أفضل لمتطلبات سوق الشغل وتحولات النسيج الاقتصادي، وفي هذا السياق، يواصل مشروع “مدن المهن والكفاءات” ترسيخ مكانته كأحد أبرز مكونات الجيل الجديد من منظومة التكوين، بعدما بلغ عدد المدن التي دخلت حيز التكوين تسع مدن، على أن تتعزز هذه الشبكة بثلاثة مدن جديدة بكل من فاس والرشيدية وكلميم، ابتداءا من الموسم الدراسي 2026-2027، تراهن الحكومة توسيع العرض التكويني، ومواصلة مراجعة التخصصات والمضامين والبرامج التكوينية، ما يضمن مواكبتها للتحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد الوطني، إلى جانب تعزيز آليات التوجيه المهني لمساعدة الشباب على اختيار المسارات الأكثر انسجاما مع مؤهلاتهم ومع حاجيات سوق الشغل، والغاية من ذلك الانتقال من منطق التكوين التقليدي إلى نموذج أكثر ارتباطا بالمهارات المطلوبة وبالفرص التي يتيحها الاقتصاد، أما في مجال التشغيل، فتتجه الحكومة لتنزيل خارطة طريق تقوم على ثلاثة محاور متكاملة، في مقدمتها تحفيز عرض الشغل من خلال دعم الاستثمار وتشجيع المقاولات، ولا سيما المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، باعتبارها مكونا أساسيا في النسيج الإنتاجي ومصدرا مهما لخلق فرص العمل، يتمثل المحور الثاني في قابلية التشغيل، عبر الرفع من جاهزية الباحثين عن العمل وتيسير اندماجهم في سوق الشغل، وإعطاء عناية خاصة للفئات التي تواجه صعوبات أكبر في الولوج إلى فرص العمل، والعمل في الوقت ذاته معالجة مختلف العوائق التي تحول دون اندماجها الاقتصادي والاجتماعي، أما المحور الثالث، فيتعلق بإعادة هيكلة برامج التشغيل النشيطة وآليات الوساطة في سوق الشغل، ما يضمن مزيدا من التكامل والانسجام والنجاعة، ويتيح توجيه الموارد والبرامج للفئات والقطاعات الأكثر حاجة، لتعزيز قدرة منظومة الوساطة على مواكبة التحولات التي يشهدها سوق العمل، ومن هذا المنظور، يسعى مشروع قانون المالية لسنة 2027 إلى تجاوز المقاربة القطاعية المنفصلة، من خلال بناء منظومة متكاملة تجمع التعليم والتكوين والتشغيل ضمن مسار واحد قوامه الاستثمار في الرأسمال البشري، والارتقاء بجودة التأهيل، وقابلية الشباب للاندماج المهني، توجه يجسد في جوهره، رهانا على تحويل المعرفة والمهارات والكفاءات إلى فرص اقتصادية واجتماعية حقيقية، ما يجعل إصلاح منظومة التربية والتكوين وسياسات التشغيل جزءا من رؤية أوسع لدعم تنافسية الاقتصاد الوطني، وتقليص الفجوة بين مخرجات المنظومة التعليمية وحاجيات سوق الشغل، وفتح آفاق أرحب أمام الشباب.













