المغرب على موعد مع كسوف جزئي
يترقب المغرب مساء الأربعاء المقبل، متابعة كسوف جزئي للشمس يتزامن مع الساعات الأخيرة من النهار واقتراب موعد الغروب، في ظاهرة فلكية ستكون مرئية من مناطق واسعة بالمملكة، مع تفاوت واضح في درجة احتجاب قرص الشمس للموقع الجغرافي، يمنح هذا التوقيت للحدث خصوصية بصرية إضافية، إذ سيتقاطع المشهد الفلكي مع انحدار الشمس للأفق الغربي، ما قد يحول لحظات الكسوف إلى لوحة سماوية، تختلف تفاصيلها من منطقة مغربية إلى أخرى.
المغرب في قلب مشهد الكسوف العالمي
سيظهر الكسوف في المغرب بصورة جزئية، فيما ستبلغ الظاهرة ذروتها في مناطق أخرى من العالم، حيث سيمتد مسار الكسوف الكلي عبر شريط جغرافي ضيق يبدأ من شمال روسيا، ويعبر المحيط المتجمد الشمالي وغرينلاند وآيسلندا، قبل أن يواصل امتداده عبر الأطلسي في اتجاه شمال إسبانيا وأجزاء محدودة من البرتغال، وفي المناطق الواقعة ضمن مسار الكسوف الكلي، سيحجب القمر قرص الشمس بالكامل لبضع دقائق، في مشهد فلكي نادر تتوقف خلاله الأجواء على إيقاع الظلام النهاري المؤقت، بينما سيكون نطاق الكسوف الجزئي أوسع بكثير، ليشمل مساحات شاسعة من أوروبا وشمال إفريقيا، من بينها المغرب، إلى جانب مناطق من شمال القارة الأمريكية وأجزاء من المحيطات، وبحسب المعطيات التي أوردتها وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا”، يعكس هذا الامتداد الجغرافي الواسع تفاوتا في طبيعة الظاهرة ودرجة احتجاب قرص الشمس، من كسوف كلي في نطاق جغرافي محدود إلى كسوف جزئي يمكن رصده في رقعة أوسع من العالم.
لحظة نادرة الشمس في قلب الظل
تتيح هذه الظاهرة لهواة الفلك والباحثين فرصة ثمينة لمعاينة واحدة من أبرز العروض التي تقدمها السماء، ليس بوصفها حدثا بصريا نادرا فحسب، وإنما باعتبارها أيضا مختبرا طبيعيا لرصد التحولات المتدرجة التي تطرأ على قرص الشمس مع تقدم الكسوف، ولا سيما في المناطق التي ستسجل أعلى نسب الاحتجاب، تبلغ الإثارة ذروتها في شبه الجزيرة الإيبيرية، حيث سيمر مسار الكسوف الكلي عبر أجزاء من إسبانيا، فاتحا المجال أمام سكان المناطق الواقعة تحت مسار الظل القمري لمتابعة لحظة استثنائية يحجب فيها القمر قرص الشمس بالكامل لفترة وجيزة، في مشهد فلكي نادر يجمع بين رهبة الظاهرة ودقة الرصد العلمي.
الشمال يترقب أقصى درجات الكسوف
سيكون الكسوف جزئيا، غير أن ذلك لا ينتقص من فرادة المشهد، لاسيما أنه يتزامن مع اقتراب الشمس من الأفق الغربي، بما سيضفي على الظاهرة بعدا بصريا استثنائيا. ومع تراجع قرص الشمس تدريجيا نحو الغروب، سيبدو في هيئة هلال ذهبي منخفض في السماء، في مشهد تتداخل فيه ملامح الظاهرة الفلكية مع التدرجات اللونية للغروب، وتتباين درجة احتجاب قرص الشمس من منطقة مغربية إلى أخرى، مع تسجيل نسب أعلى كلما اتجهنا شمالا، لتبلغ مستوياتها القصوى في طنجة وتطوان، ووفق المعطيات التي قدمها الخبير ذاته، سيبدأ الكسوف الجزئي في طنجة عند نحو الساعة 6:44 مساء بالتوقيت المحلي، قبل أن يبلغ ذروته قرابة 7:40 مساء، بنسبة احتجاب تتجاوز 92 في المائة من قرص الشمس، أما في أكادير، فمن المرتقب أن تبدأ الظاهرة حوالي 6:54 مساء، على أن تصل إلى ذروتها في حدود 7:49 مساء، مع احتجاب يقارب 80 في المائة من قرص الشمس، بما يعكس التفاوت الجغرافي الواضح في طبيعة المشهد ومقدار الكسوف بين مختلف مناطق المملكة.
كسوف عند الغروب مشهد استثنائي
تكشف هذه المعطيات أن المناطق الشمالية للمملكة ستكون على موعد مع مشهد بصري بالغ الخصوصية، إذ ستتبدل الهيئة الظاهرية للشمس تدريجيا، منتقلة من قرصها الدائري المألوف إلى هلال شديد النحافة، بالتزامن مع انحدارها للأفق الغربي، تكتسب الظاهرة فرادتها من تزامنها مع لحظات الغروب، إذ ستغرب الشمس قبل اكتمال الكسوف، ما يفتح المجال أمام مشهد فلكي استثنائي، إذا ما أسعفت الظروف الجوية بسماء صافية وأفق غربي مفتوح، وقد تتداخل في تلك اللحظات ألوان الغروب الدافئة مع القرص الشمسي المحتجب جزئيا، في لوحة تجمع بين ندرة الظاهرة الفلكية وسحر المشهد الطبيعي، لتمنح المتابعين تجربة بصرية يصعب تكرارها، أن جاذبية هذا المشهد لا تلغي ضرورة الالتزام الصارم بقواعد السلامة، وفي هذا السياق، وأن أهمية حماية العين أثناء متابعة الكسوف، بالعين المجردة، حتى خلال مراحل الكسوف الجزئي، لما قد يترتب عن ذلك من أضرار بالغة للرؤية، ودعا إلى اعتماد نظارات مخصصة وموثوقة لرصد الكسوف، أو استخدام وسائل الرصد غير المباشر، مؤكدا أن النظارات الشمسية العادية لا توفر الحماية اللازمة لمتابعة هذه الظاهرة بأمان.
الكسوف مشهد فلكي ورهان علمي
تتواصل الاستعدادات لإطلاق مشاريع علمية مع تنامي الاهتمام الجماهيري بهذه الظاهرة الفلكية، تهم تحويل الكسوف من حدث بصري عابر إلى فرصة للرصد المنهجي والتوثيق العلمي وتبادل الخبرات في مجال فيزياء الشمس، وفي هذا السياق، سبق لمعهد الفيزياء الفلكية بجزر الكناري “IAC”، بشراكة مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية “UM6P” والمرصد الوطني للشمس بالولايات المتحدة، أن أعلن إطلاق مشروع “نيت”، من أجل تشكيل فرق علمية مشتركة وإرساء شبكة متخصصة من التلسكوبات، ما يعزز قدرات الرصد ويفتح آفاقا جديدة للتعاون العلمي، يتضمن المشروع برنامجا علميا وتواصليا بمدينة فالنسيا الإسبانية، بمشاركة نخبة من المتخصصين في فيزياء الشمس، على أن يشهد يوم 12 غشت الجاري رصدا مباشرا للكسوف وتوثيقا دقيقا لمختلف مراحله عبر الصور والمعطيات العلمية، إلى جانب بث حي للظاهرة وتقديم شروحات وتفسيرات مبسطة لفائدة الجمهور، للجمع بين الدقة العلمية والانفتاح على المهتمين بعالم الفلك، لا يلوح الكسوف المرتقب مجرد محطة عابرة في أجندة الظواهر الفلكية، بل يتحول إلى موعد تتقاطع فيه متعة المشاهدة مع رهانات البحث العلمي والتوثيق الفلكي، كما يضفي توقيته المتزامن مع اقتراب الشمس من الأفق خصوصية بصرية وعلمية على المشهد في المغرب، حيث تتحول السماء، في حال صفاء الأجواء، إلى فضاء مفتوح لمتابعة ظاهرة فلكية، تجمع بين ندرة المشهد وقيمة الرصد والمعرفة.













