البوليساريو تفقد أوراق المناورة
وجدت قيادة البوليساريو نفسها أمام منعطف سياسي ودبلوماسي بالغ الحساسية، في ظل التحولات المتسارعة التي باتت تفرض عليها إعادة النظر في موقعها داخل مسار نزاع الصحراء وحساباتها إزاء مآلاتها، وقد أقرّ زعيم البوليساريو، إبراهيم غالي، بشكل صريح بتصاعد الضغوط المحيطة بالتنظيم، وبالتطورات الأخيرة التي شهدها الملف، لا سيما عقب اعتماد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2797، واستمرار المغرب في توسيع دائرة الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وحضوره باعتباره أحد أبرز مداخل التسوية السياسية المطروحة على الساحة الدولية.
غالي يواجه تصدعات البوليساريو
في كلمة ألقاها إبراهيم غالي خلال افتتاح أشغال المؤتمر الخامس للطلبة، لتقديم قراءة ذات طابع تعبوي للتحولات المتسارعة التي يشهدها ملف الصحراء، أقر بأن القضية عرفت، خلال الفترة الأخيرة، تطورات متسارعة، واضعا القرار الأممي 2797 في صلب هذه المستجدات، يعكس هذا الربط، في حد ذاته، حجم الأهمية التي توليها قيادة البوليساريو للمسار الأممي وما أفرزه من معطيات جديدة، وما قد يترتب عنها من إعادة ترتيب طبيعة الخيارات المتاحة أمام مختلف أطراف النزاع، لم يخف غالي نبرة القلق التي باتت تطبع خطاب القيادة، إذ وصف الضغوط المتزايدة التي تواجهها، موازاة مع تنامي الدعم الدولي للمغرب، بأنها مؤامرة خطيرة، متهما خصومها للالتفاف على قرارات الأمم المتحدة وميثاقها بشأن الصحراء، كما استعاد مفردات تنتمي إلى قاموس المرحلة الأولى من النزاع، عن ما قاله إن حدته وطبيعته تستحضران ما عاشته البوليساريو خلال سبعينيات القرن الماضي، غير أن الدلالة الأبرز في خطاب غالي لا تكمن في حدة المفردات التصعيدية التي اختارها، وإنما في الرسالة السياسية التي حملتها دعوته إلى لرص الصفوف والاستعداد لمختلف الاحتمالات، تبدو هذه الدعوة، في سياقها العام، محاولة واضحة لإعادة شد العصب الداخلي للتنظيم وتحصينه الداخلي، في وقت باتت فيه التحولات الدولية تضيق هامش الحركة أمام قيادته، وتفرض عليها التعامل مع واقع سياسي جديد لم تعد فيه شعارات العقود الماضية تحظى بالزخم الدولي ذاته، يأتي هذا الخطاب في ظل مؤشرات متزايدة على احتدام النقاش داخل دوائر قيادة البوليساريو بشأن مستقبل النزاع وحدود الخيارات الممكنة للخروج من مأزقه السياسي، فقد أثارت بعض التصريحات السابقة التي فتحت الباب أمام إمكانية التعامل مع مقترح الحكم الذاتي، في سياق الضغوط الدولية المتنامية، داخل الأوساط القيادية، في مقابل مواقف أكثر تشددا عبر عنها البشير مصطفى السيد، بما يكشف عن تباين متزايد في تقدير هامش المناورة المتاح، وعن اختلاف في الرؤى بشأن طبيعة التسوية التي يمكن للبوليساريو الانخراط فيها مستقبلا، وبذلك يبدو خطاب غالي أقرب إلى محاولة لاحتواء ارتدادات التحولات الخارجية قبل أن تتحول إلى نقاش داخلي مفتوح، خصوصا أن اتساع الفجوة بين الخطاب التقليدي ومتطلبات المرحلة الجديدة قد يجعل معركة الحفاظ على تماسك التنظيم موازي، في أهميته، للمعركة على الواجهة الدبلوماسية.
تآكل هامش مناورة البوليساريو
تتزامن هذه التحولات الداخلية مع دينامية دبلوماسية دولية متصاعدة تقودها الأمم المتحدة، بدعم أمريكي، من أجل إعادة بعث المسار السياسي للنزاع وتهيئة شروط تسوية واقعية وقابلة للتنفيذ ومستدامة، وفي هذا السياق، تعكس المشاورات الأخيرة التي احتضنتها كل من واشنطن ومدريد حضورا متناميا لمقترح الحكم الذاتي المغربي ضمن صلب النقاش المتعلق بمستقبل النزاع، فيما أضفى تداول تفاصيل خطة مغربية من 38 صفحة زخما إضافيا على هذه التحركات، باعتبارها مؤشرا على انتقال النقاش من مستوى المواقف المبدئية والشعارات السياسية إلى مستوى أكثر عملية، يقوم على بحث تفاصيل صيغة سياسية قابلة للتنزيل، ليضع هذا التحول قيادة البوليساريو أمام استحقاق أكثر تعقيدا، لم يعد يسمح بإعادة إنتاج المواقف التقليدية، وإنما يفرض عليها بلورة موقف عملي من مسار التسوية، في ظل بيئة دولية تتغير أولوياتها وتعيد تعريف مقارباتها للنزاع، ولم تعد خلال السنوات الأخيرة التحولات التي طرأت على مواقف عدد من العواصم الدولية تعديلات محدودة في الخطاب الدبلوماسي، بل باتت جزءا من إعادة تموقع أوسع إزاء قضية الصحراء، فقد اتسعت دائرة الدول التي تنظر بإيجابية إلى مبادرة الحكم الذاتي، وتراجع الحضور الدبلوماسي للبوليساريو، عقب قرارات اتخذتها بعض الدول بسحب الاعتراف بالتنظيم أو تجميده، ما انعكس على شبكة الدعم السياسي التي اعتمدت عليها البوليساريو لعقود، وعلى ضوء هذه المعطيات، تبدو قيادة البوليساريو أمام ما يمكن وصفه “بتآكل تدريجي لهامش المناورة السياسية”، بعدما وجدت نفسها تتحرك داخل بيئة دولية تتجه بصورة متزايدة للحلول الواقعية والعملية، وتمنح الأولوية لتسوية سياسية قابلة للتطبيق، على حساب رهانات ظلت لعقود مرتبطة بخيار الاستفتاء أو مشروع إقامة دولة مستقلة.
الجزائر والبوليساريو أمام ضغط التحولات
لا تقف تداعيات هذه التحولات عند حدود قيادة البوليساريو، بل إمتدت بصورة مباشرة إلى الجزائر، باعتبارها الحاضنة الإقليمية والسياسية الأساسية، فمع تنامي الحضور الدولي لمقترح الحكم الذاتي، تقلص تدريجيا هامش الدفاع عن الخيارات التي ظلت الجزائر والبوليساريو تطرحانها باعتبارها مسارا بديلا، الأمر الذي جعل الإبقاء على النزاع وفق صيغته التقليدية أكثر كلفة سياسيا واستراتيجيا، وفي هذا السياق، تبدو الجزائر بدورها أمام معطيات جديدة قد تفرض عليها إعادة ترتيب حساباتها، خصوصا بعدما بدأ النقاش الدولي يتجاوز القراءة التقليدية لمفهوم تقرير المصير، ليتجه نحو البحث عن صيغة سياسية واقعية وقابلة للتنفيذ، ومع اتساع دائرة المواقف الدولية الداعمة للحكم الذاتي، أصبحت قدرة البوليساريو وحاضنتها الإقليمية على إعادة إنتاج الخطاب والمواقف ذاتها، وبالزخم السابق نفسه، أكثر محدودية، غير أن التطور الأكثر حساسية بالنسبة إلى القيادة لا يكمن في حجم الضغوط الخارجية وحدها، وإنما في احتمال انتقال مفاعيلها إلى الداخل، لبروز تباينات في المواقف داخل التنظيم، وتصاعد التساؤلات حول جدوى الاستمرار في النهج ذاته، قد يفتحان الباب أمام نقاش داخلي مرشح لأن يزداد حدة كلما اتسعت الفجوة بين الخطاب التقليدي والتحولات التي تفرضها البيئة الدولية، تجد القيادة الحالية نفسها، أمام معادلة بالغة التعقيد، تتقاطع فيها مصالح وامتيازات راكمتها مراكز نفوذ داخل التنظيم على مدى عقود، مع استحقاقات مرحلة جديدة قد تفرض مراجعات سياسية وتنازلات يصعب تسويقها داخليا، كما أن استمرار الخطاب التعبوي التقليدي لم يعد كافيا بالضرورة لاحتواء مظاهر التململ أو تقديم إجابات مقنعة عن الأسئلة المتنامية بشأن مستقبل المشروع الانفصالي، في ظل بيئة إقليمية ودولية تعيد رسم موازين الملف بوتيرة متسارعة.
ضغوط الداخل تحاصر قيادة البوليساريو
لعل ما يثير القلق الأكبر لدى إبراهيم غالي وقيادة البوليساريو أن دائرة الضغط لم تعد محصورة في محيطها الخارجي، بل بدأت تمتد إلى البنية الداخلية للتنظيم، ما يضع تماسكه أمام اختبار متزايد الصعوبة، فكلما تقلصت الخيارات السياسية المتاحة أمام القيادة، ازدادت حساسية إدارة التباينات الداخلية، وتحولت مهمة احتواء الخلافات والحفاظ على وحدة الصف إلى تحد قائم بذاته، تتعقد هذه المهمة أكثر بفعل تراكم مصالح وشبكات نفوذ تشكلت على امتداد عقود، مقابل بروز تطلعات جديدة تفرضها التحولات المتسارعة في البيئة الإقليمية والدولية، بينما تتمسك القيادة بالحفاظ على الوضع القائم، إذ تتسع مساحة التساؤلات داخل محيطها بشأن جدوى الاستمرار في الرهان على خيارات تتراجع فرص حظوظها على الساحة الدولية، وعن الكلفة السياسية والاستراتيجية المترتبة على إطالة أمد النزاع في غياب أفق واضح لتسوية قابلة للحياة، يبرز في السياق ذاته، عامل لا يقل أهمية، يرتبط بمدى قدرة الجزائر على مواصلة تحمل الأعباء السياسية والاستراتيجية لنزاع مفتوح، في ظل إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية والدولية وتغيير موازين التحرك الدبلوماسي، من هذه الزاوية، يفرض القرار الأممي 2797، مرفوقا بالتطورات المتلاحقة في مواقف عدد من القوى الدولية، على قيادة البوليساريو إعادة تقييم حساباتها وخياراتها، بعدما أصبح الإصرار على النهج السابق أكثر كلفة، وأقل قدرة على إنتاج اختراق سياسي أو دبلوماسي ذي جدوى.
البوليساريو أمام اختبار الواقع السياسي
يبدو أن قيادة البوليساريو باتت تستشعر، بصورة أكثر وضوحا، عمق التحولات التي راكمها المغرب على الواجهة الدبلوماسية، سواء من خلال اتساع دائرة الدول المؤيدة لمقترح الحكم الذاتي، أو عبر ترسيخ هذا المقترح باعتباره أرضية جدية وواقعية لأي تسوية سياسية مرتقبة للنزاع، وفي هذا السياق، تستحضر القيادة الانفصالية عددا من الخطابات والمواقف الملكية السابقة، باعتبارها رسائل سياسية استشرفت ملامح المرحلة المقبلة وحددت، بشكل متدرج، ملامح المقاربة المغربية للحل، وفي ظل مواجهة هذا الواقع المتغير، يسعى إبراهيم غالي إلى إعادة شحن القواعد الداخلية للتنظيم وتشديد الخطاب التعبوي، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الداخلي، وتأجيل مواجهة الاستحقاق الأكثر صعوبة، والمتمثل في مراجعة الخيارات السياسية التي حكمت مسار الكيانن الوهمي على امتداد عقود، وأن أبعاد هذا الخطاب يبدو أبعد من محاولة احتواء الضغوط الراهنة، إذ تسعى القيادة الانفصالية الحفاظ على أكبر قدر ممكن من أوراق القوة، تحسبا لمرحلة قد ينتقل فيها النزاع بصورة أكثر حسما من منطق إدارة الأزمة إلى منطق التسوية السياسية النهائية، ومن هذه الزاوية، فإن تراجع فرص تحقيق مشروع إقامة دولة مستقلة، في ظل التحولات التي طرأت على موازين المواقف الدولية، يجعل الحفاظ على المكاسب السياسية والتفاوضية المتاحة هدفا أكثر واقعية بالنسبة إلى قيادة البوليساريو، ولعل العبارة التي تفيد “لم يعد أمامنا سوى طريق تقاسم فاتورة السلام” تكتسب دلالة سياسية، باعتبارها تجسد انتقالا تدريجيا من خطاب يقوم على منطق الحسم والانتصار الكامل إلى مقاربة أكثر التصاقا بواقع التسويات، حيث لا يمكن لأي طرف أن يحقق كامل مطالبه دون تقديم تنازلات متبادلة، وبمنطق الواقعية السياسية، قد تجد قيادة البوليساريو نفسها، عاجلا أم آجلا، أمام ضرورة التعامل مع مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره أحد أكثر الأطر قابلية للحياة ضمن أي تسوية سياسية مقبلة، ولا يعني ذلك بالضرورة تقديم الأمر باعتباره تراجعا أو استسلاما سياسيا، بقدر ما يمكن أن يعاد تأطيره ضمن مفهوم أكثر مرونة لتقرير المصير، يستند لحل سياسي واقعي ويحظى، في المقابل، بدعم دولي متنام، وتبدو قيادة البوليساريو أمام مفترق طرق تتضاءل فيه مساحات المناورة يوما بعد آخر: فإما الاستمرار في إدارة النزاع بالأدوات والخطابات ذاتها التي طبعت العقود الماضية، بما يعنيه ذلك من كلفة سياسية ودبلوماسية متصاعدة، وإما الإقدام على مراجعة عميقة تعيد تعريف موقعها داخل مسار التسوية وتعيد ترتيب أولوياتها ما ينسجم مع التحولات الدولية الجديدة، وبين الخيارين، تتحرك البيئة الدولية بوتيرة أسرع من قدرة قيادة الكيان على إنتاج بدائل سياسية جديدة، ما يجعل المرحلة المقبلة اختبارا بالغ الحساسية لمستقبل مشروعه السياسي، ولقدرته في الوقت نفسه على المحافظة على تماسكه الداخلي، في ظل تضاؤل هامش المناورة وتزايد الضغوط التي تفرضها التحولات المتسارعة في ملف الصحراء.













