الموقف الكولومبي يفتح ثغرة
يشكل التحول في الموقف الكولومبي لقضية الصحراء المغربية تطورا دبلوماسيا، بالنظر إلى المكانة السياسية والجغرافية التي تحتلها بوغوتا في أمريكا الجنوبية، منطقة ظلت لعقود فضاءا حاضنا لحضور البوليساريو، يتجاوز الموقف دلالته الرمزية ليعكس بداية تحول في مقاربة قضية الصحراء على المستوى الإقليمي، ويمنح الرباط دفعة جديدة في مسار توسيع دائرة المواقف الداعمة للوحدة الترابية والحضور الدبلوماسي في المنطقة.
تراجع الاصطفافات الإيديولوجية
لا يبدو التحول المسجل في الموقف الكولومبي معزولا عن الدينامية التي طبعت الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة، والتي انتقلت تدريجيا من الدفاع عن الموقف الوطني إلى بناء شبكة متنامية من الشراكات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية القادرة على التأثير في مواقف العواصم وصياغة تموقعاتها إزاء القضايا ذات الصلة بالمصالح المغربية، وقد أظهرت سياسة تنويع الشركاء، لاسيما في أمريكا اللاتينية، أن الحضور المغربي بات يتجاوز الدوائر التقليدية، ليجد له موطئ قدم داخل فضاءات ظلت، لسنوات طويلة، أقرب إلى الخطاب المناوئ للوحدة الترابية للمملكة، إذ تكتسب الحالة الكولومبية دلالتها الأوسع من كونها تكشف عن تحولات عميقة في محددات السياسة الخارجية بدول أمريكا الجنوبية، حيث لم تعد تعاقب الحكومات ذات المرجعيات اليسارية أو المحافظة يعني بالضرورة استمرارية المواقف الخارجية ذاتها، في ظل تنامي وزن المصالح الوطنية والحسابات الاقتصادية والاستراتيجية في توجيه القرار، تبدو قضية الصحراء المغربية في طريقها إلى التحرر التدريجي من أسر الاصطفافات الإيديولوجية، لصالح مقاربة أكثر واقعية وبراغماتية، تستحضر موازين المصالح والتحولات الجيوسياسية وتعيد ترتيب الأولويات على أساس متطلبات المرحلة الجديدة
الدبلوماسية المغربية توسع دوائر التأثير
يمكن قراءة التحول الكولومبي، من هذه الزاوية، باعتباره مؤشرا على نجاعة المقاربة المغربية التي حرصت على تقديم قضية الصحراء المغربية ضمن إطارها التاريخي والقانوني والتنموي المتكامل، بعيدا عن اختزالها في سجال سياسي عابر، فقد أتاح تكثيف التواصل المغربي مع دول المنطقة إبراز حجم الدينامية التنموية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، وما تتيحه من آفاق واعدة للاستثمار والشراكة والتعاون جنوب–جنوب، ما جعل البعد الاقتصادي والتنموي رافدا مكملا للخطاب الدبلوماسي والسياسي. غير أن ترسيخ هذه الدينامية تظل رهينة بتوسيع دائرة التحرك المغربي لتشمل مختلف دوائر التأثير وصناعة القرار في أمريكا الجنوبية، من حكومات وأحزاب وبرلمانات ومؤسسات اقتصادية ومراكز بحث، ما يرسخ الحضور المغربي داخل النخب المؤثرة في المنطقة، إذ تكتسب الدبلوماسية البرلمانية والحزبية أهمية متزايدة باعتبارها امتدادا طبيعيا للدبلوماسية الرسمية وقناة موازية قادرة على بناء تواصل مباشر ومستدام مع الفاعلين السياسيين والتشريعيين، لاسيما عبر انخراط مجلس المستشارين في الأطر البرلمانية الإقليمية، من برلمان الأنديز وبرلمان أمريكا اللاتينية، ما يفتح أمام المغرب مساحات أوسع للتأثير والحوار وإعادة بناء مواقف النخب السياسية في المنطقة.
التحول الكولومبي يربك الحسابات
شهدت كولومبيا تحولا يبعث برسالة سياسية واضحة إلى مختلف الأحزاب والقوى السياسية المغربية، بما فيها التيارات اليسارية، مفادها أن الدفاع عن المصالح الوطنية وتحصين الموقف المغربي في الخارج لم يعد شأنا محصورا في نطاق الدبلوماسية الرسمية، بل بات يقتضي تعبئة أوسع لمختلف قنوات التأثير السياسي، يمكن بناء خطابا مقنعا، والانفتاح المباشر على الأحزاب والتيارات السياسية الأجنبية، مهما تباينت مرجعياتها الفكرية والإيديولوجية، ليشكلا رافعة فاعلة لترسيخ الموقف المغربي، خاصة في سياق دولي تتجه فيه العديد من المواقف لإعادة قراءة الملفات وفق منطق المصالح والواقعية السياسية، ومن هذا يندرج التحول الكولومبي ضمن مسار دبلوماسي مغربي متدرج وطويل النفس، تتكامل فيه الدبلوماسية الرسمية والبرلمانية والحزبية، وتتقاطع فيه سياسة تنويع الشراكات مع التحولات المتسارعة في موازين القوى الدولية،والأهم أن دلالته تتجاوز كسب موقف دولة، لتلامس تحولا أعمق في طريقة مقاربة قضية الصحراء المغربية داخل فضاء جغرافي ظل طويلا أكثر البيئات تعقيدا أمام التحرك الدبلوماسي المغربي، ما يجسد اتساع هامش المناورة أمام الرباط وتآكل تدريجي لفعالية الاصطفافات التقليدية تحت ضغط منطق المصالح والتحولات الجيوسياسية.













