مدريد تستعرض حضورها البحري
أفادت معطيات إعلامية متداولة بأن القيادة العسكرية الإسبانية وجهت فرقاطتين تابعتين للبحرية الإسبانية بالاقتراب من السواحل المغربية، تحرك يستدعي التوقف عند دلالاته، بالنظر إلى حساسية توقيته وموقعه، وعن السياق الإقليمي الدقيق الذي يأتي فيه، وما قد يحمله من رسائل تتجاوز الاعتبارات العملياتية المحضة.
مناورة إسبانية تتجاوز الحسابات العسكرية
إن إدراج مثل هذه التحركات، من الناحية التقنية، ضمن الأنشطة الاعتيادية للقوات البحرية في غرب المتوسط، فإن موقعها الجغرافي يمنحها دلالات سياسية وأمنية تتجاوز طبيعتها العملياتية، خصوصا عندما تقترب من فضاء تتقاطع فيه ملفات سيادية شديدة الحساسية بين الرباط ومدريد. وفي هذا السياق، لا تبدو خلفية التحرك منفصلة عن الحسابات الداخلية الإسبانية، إذ تذهب بعض القراءات المنسوبة إلى مصادر إسبانية لاحتمال ارتباطه برغبة الحكومة والمؤسسة العسكرية في إعادة إبراز الحضور الدفاعي للدولة أمام الرأي العام، عبر استعراض الجاهزية والقدرة على التحرك في محيط المدينتين المغربيتين المحتلتين، ومن هذه الزاوية، قد يكون البعد الاستعراضي موجها أساسا إلى الداخل الإسباني، من أجل ترسيخ صورة القوة واليقظة العسكرية، أكثر من كونها مؤشرا على استعداد مواجهة مباشرة مع المغرب، وأن اختيار المجال البحري المحاذي للسواحل المغربية يضفي على التحرك حمولة استراتيجية يصعب اختزالها في البعد العملياتي وحده، ليس غرب المتوسط مسرح للمناورات البحرية، بل فضاءا تتقاطع داخله اعتبارات الأمن والهجرة وحركة التجارة والمصالح الجيوسياسية، إلى جانب استمرار ملفي سبتة ومليلية باعتبارهما من أكثر الملفات حساسية في بنية العلاقات المغربية الإسبانية، فإن أي تصعيد في مستوى الحضور العسكري الإسباني بالقرب من السواحل المغربية يظل قابلا لأن يقرأ سياسياً، حتى في غياب إعلان رسمي من مدريد عن أهداف تتجاوز الاعتبارات العسكرية والعملياتية.
الرباط تترقب الخطوة الإسبانية
لا تبدو الرباط بصدد مقاربة هذه التحركات بمنطق التصعيد أو الدخول في سباق مفتوح للرسائل العسكرية، إذ تحكم تعاملها مع مثل هذه التطورات مقاربة تقوم على ضبط النفس وحساب دقيق لمستويات التوتر، تفاديا لتحويل أي استفزاز محتمل إلى أزمة مفتوحة قد تنعكس سلبا على مسار العلاقات الثنائية، لا تختزل القوة في المنظور الاستراتيجي وفي سرعة الرد أو حجم الحضور الميداني، وإنما تتجلى أيضا في القدرة على التحكم في إيقاع التوتر، وانتقاء التوقيت والأداة الأكثر فاعلية، لا يرتبط الرهان الأهم بالتحرك الحالي في حد ذاته، بقدر ما يتصل باحتمال تحوله إلى سلوك متكرر، فإن بقى في حدود المناورة الظرفية، أمكن إدراجه ضمن الاستعراضات العسكرية المعتادة، أما إذا أخذ شكل حضور بحري إسباني منتظم بمحاذاة السواحل المغربية، فإن دلالته ستتجاوز حينها حدود المناورة الظرفية، لتفرض على الرباط إعادة قراءة المشهد وتقدير مآلاته، ما قد يستدعي توجيه رسائل مقابلة لا تنطلق بالضرورة من منطق الرد العسكري، وإنما تستثمر أدوات السياسة والدبلوماسية والحضور الاستراتيجي، باعتباره أكثر هدوءا وقدرة على إدارة التوازنات واحتواء التصعيد.
مدريد تناور والرباط تراقب
تتعدد القراءات بشأن الرسالة التي أرادت مدريد تمريرها من خلال هذا التحرك، بين من يراها موجهة إلى الداخل الإسباني لتلميع صورة المؤسسة العسكرية، ومن يعتبرها محاولة لتأكيد الحضور الإسباني في فضاء تصفه مدريد بأنه جزء من مجالها الاستراتيجي، فيما لا يستبعد آخرون أن يكون التحرك اختبارا غير معلن لرد فعل المغرب، وفي جميع الأحوال، يصعب عزل البعد العسكري عن الحسابات السياسية، خصوصاً أن الموقع الجغرافي للمناورة يمنحها حمولة استراتيجية تتجاوز حجمها الميداني، فقد شهدت العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة تطوراً للتعاون والتنسيق، تظل الملفات السيادية قادرة على إعادة إنتاج التوتر كلما تداخلت الحسابات العسكرية مع المصالح الاستراتيجية، لذلك لا يكمن الرهان الحقيقي أمام مدريد في استعراض القوة بالقرب من السواحل المغربية، بقدر ما يتمثل في إدارة هذا الحضور بحذر، والحفاظ على التوازن بين مقتضيات الأمن وحسابات النفوذ الإقليمي، دون الإخلال بمنسوب الثقة الذي أصبح أحد أبرز مرتكزات العلاقة بين الرباط ومدريد.















