وادي الذهب ذاكرة البيعة ومسار الوحدة ورهان للتنمية

بقلم: مليكة بوخاري

وادي الذهب ذاكرة البيعة ومسار الوحدة

إحتفى الشعب المغربي، أسرة المقاومة وجيش التحرير، اليوم الجمعة 14 غشت الجاري، بالذكرى السابعة والأربعين لاسترجاع إقليم وادي الذهب، باعتباره واحد من المحطات المفصلية في مسار استكمال الاستقلال الوطني وترسيخ الوحدة الترابية للمملكة.

البيعة عنوان راسخ للوحدة المغربية

لا تستمد هذه الذكرى رمزيتها من بعدها التاريخي فحسب، بل من كونها تجسد لحظة مفصلية التقت فيها الإرادة الوطنية مع الامتداد التاريخي للعرش العلوي، ضمن مشهد يجسد عمق الروابط التي تجمع المغرب بأقاليمه الجنوبية، وترسيخ واحدة من أبرز حلقات ملحمة الوحدة الترابية في أجواء طبعتها مشاعر الاعتزاز والانتماء الوطني، تتجلى الأبعاد العميقة لهذه المحطة في واقعة البيعة التي قدمتها وفود مدينة الداخلة وإقليم وادي الذهب أمام جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، معلنة ارتباطها الراسخ بالعرش والوطن، وقد شكلت تلك البيعة، ما حملته من دلالات سياسية وروحية وتاريخية، تعبيرا صريحا عن تشبث أبناء المنطقة بانتمائهم المغربي، وعن استمرارية أواصر البيعة التي ظلت عبر التاريخ إحدى ركائز العلاقة بين العرش العلوي وأبناء الأقاليم الصحراوية، وفي خطاب تاريخي، عبّر الملك الراحل عن عظمة تلك اللحظة بقوله إن البيعة التي تلقاها من أبناء المنطقة ستكون “أثمن وأغلى وديعة”، مؤكدا التزام الدولة بحماية أمنهم وصون سلامتهم والعمل على إسعادهم، تجسيد واضح لمعنى الدولة والمسؤولية المتبادلة بين العرش والرعية، وقد ازداد المشهد التاريخي دلالة عندما أقدم جلالة المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني على توزيع السلاح على وفود القبائل، إشارة رمزية إلى أن استرجاع الإقليم لم يكن نهاية لمسار الكفاح، وإنما محطة جديدة في الدفاع عن الوحدة الوطنية وترسيخ الأمن والاستقرار بالأقاليم الجنوبية، ولم تمض سوى أشهر قليلة حتى تجدد اللقاء بين الملك الراحل وأبناء وادي الذهب، خلال الزيارة التي قام بها إلى المنطقة بمناسبة احتفالات عيد العرش المجيد، لتتأكد مجددا متانة الروابط بين العرش وأبناء هذه الربوع، وقد شكل ذلك الارتباط المتجذر، إلى جانب الإرادة الوطنية المتواصلة، عاملا حاسما في إفشال رهانات ومناورات خصوم الوحدة الترابية، وتحويل الذكرى إلى عنوان دائم على رسوخ الانتماء المغربي للأقاليم الجنوبية، انتقل التعاطي مع الأقاليم الجنوبية منذ استرجاع وادي الذهب، من تثبيت الوحدة إلى منطق بناء شروط التنمية وترسيخ الاندماج في الدينامية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية، فقد انخرط المغرب في مسار طويل لتطوير البنيات التحتية، وتأهيل المجالات الترابية، وتشجيع الاستثمار، وإطلاق المشاريع الاقتصادية والاجتماعية، بما جعل المواطن في صلب السياسات العمومية الموجهة إلى المنطقة، أصبحت جهة الداخلة وادي الذهب نموذجا للتحولات التي عرفتها الأقاليم الجنوبية، بعدما أضحت التنمية والتهيئة المجالية والاستثمار في الإنسان أدوات عملية لترجمة الوحدة الوطنية لواقع اقتصادي واجتماعي ملموس، وإبراز الفرق بين مرحلة ما قبل الاسترجاع ومسار البناء الذي أعقبها.

وادي الذهب ذاكرة التحرير ورهان التنمية

شكل النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي أطلقه جلالة الملك محمد السادس سنة 2016، محطة نوعية في إعادة صياغة الرؤية التنموية للمنطقة، من خلال مقاربة متكاملة تجمع بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، من أجل العدالة المجالية ورفع مستوى الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، لم تعد الأقاليم الجنوبية، وفق هذا التصور، مجال ترابي يستوجب مواصلة الدفاع عن وحدته، بل تحول لفضاء استراتيجي للاستثمار والتنمية والانفتاح على محيطه الإفريقي والدولي، ما يجسد توجها لتحويل المكتسبات السياسية والوطنية إلى دينامية تنموية مستدامة تعود بالنفع المباشر على السكان، إذ تحافظ أسرة المقاومة وجيش التحرير، من خلال إحياء هذه الذكرى، على وظيفة الذاكرة الوطنية باعتبارها جسرا بين أجيال المغرب، تستحضر عبرها قيم التضحية الوطنية والوفاء، وتستخلص من تاريخ الاستقلال دروسا في التلاحم والوحدة والتضامن، كما تشكل المناسبة فرصة لتجديد التشبث بالعرش العلوي والوحدة الترابية للمملكة، واستحضار تضحيات الأجيال التي ساهمت في استكمال الاستقلال والدفاع عن المقدسات الوطنية، والتأكيد على أن الوحدة الترابية تظل قضية جامعة للمغاربة، ومكونا ثابتا من محددات الوعي الوطني والسياسة الخارجية للمملكة، تكتسي ذكرى استرجاع إقليم وادي الذهب هذه السنة دلالة إضافية، في ظل الدينامية التي تشهدها قضية الصحراء المغربية على المستوى الدبلوماسي، وما أعقب الموقف الفرنسي الداعم لمغربية الصحراء من تعزيز للموقف المغربي داخل الساحة الدولية، وفي هذا الإطار، تستحضر المملكة التأكيد الملكي الواضح بأن ملف الصحراء يشكل «النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم»، ما جعل المواقف من الوحدة الترابية معيارا لقياس صدق الصداقات ونجاعة الشراكات، وموازاة للبعد السياسي والدبلوماسي، أعدت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير برنامجا وطنيا حافلا يمتد من 14 إلى 31 غشت، يتضمن مهرجانات خطابية وتكريم عدد من قدماء المقاومين وتقديم مساعدات اجتماعية، إلى جانب أنشطة تربوية وثقافية بتنسيق مع القطاعات الحكومية وفعاليات المجتمع المدني، ما يمنح الذكرى بعدا يتجاوز الاحتفاء بالماضي إلى ترسيخ الذاكرة الوطنية واستشراف المستقبل.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×