ثورة الملك والشعب ملحمة التحرير وامتداد للوحدة والسيادة

بقلم: حكيمة القرقوري

ثورة الملك والشعب ملحمة التحرير

يحيي الشعب المغربي، اليوم 20 غشت 2026، ذكرى ثورة الملك والشعب، إحدى أبرز المحطات في الذاكرة الوطنية والتاريخ الحديث للمملكة، بما تختزنه من دلالات عميقة في مسار التحرر الوطني، تستحضر هذه الذكرى ملحمة وطنية، لتظل ثورة الملك والشعب رمزا خالدا لقوة التلاحم الوطني وقدرة المغاربة على تحويل المحن لبناء المستقبل.

نفي الملك ميلاد مرحلة جديدة من المقاومة

شكل نفي جلالة المغفور له الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه، وأسرته الملكية سنة 1953، محاولة استعمارية لضرب رمز السيادة وعزل العرش عن شعبه وإخماد جذوة المقاومة الوطنية، غير أن هذا الخيار انقلب على أصحابه، إذ فجر موجة جديدة من الكفاح، عمق أواصر التلاحم بين العرش والشعب، جعل عودة الملك الشرعي واستعادة الحرية والاستقلال هدفا جامعا لمختلف مكونات الحركة الوطنية، من هذا المنظور، لم تكن ثورة 20 غشت حدثا عابرا أو منعزلا، بل حلقة متقدمة في مسار طويل من المقاومة والتعبئة، امتد عبر ربوع المملكة، وخاض خلاله المغاربة مواجهات بطولية مع الاحتلال، جسدتها ملاحم خالدة من الهري إلى أنوال وبوغافر وجبل بادو وغيرها، وبالتوازي مع المقاومة المسلحة، أخذ النضال السياسي والفكري يتبلور بصورة أكثر تنظيما، في مواجهة مشاريع الاستعمار لتفكيك الوحدة الوطنية والمس بالهوية المغربية وثوابتها، وقد بلغ هذا المسار محطة فارقة لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، الذي يعبر عن نضج الوعي الوطني ووحدة الإرادة بين العرش والحركة الوطنية في الدفاع عن حرية البلاد وسيادتها، هكذا تضافرت المقاومة الميدانية والنضال السياسي في بناء جبهة وطنية متماسكة، مهدت الطريق لإنهاء نظام الحماية واستعادة المغرب لحريته واستقلاله.

من طنجة انطلقت شرارة الكفاح الوطني

شكلت زيارة جلالة الملك المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، إلى طنجة في 9 أبريل 1947 محطة مفصلية في تاريخ الحركة الوطنية، إذ جسدت بوضوح تشبث المغرب بثوابته ووحدته وحقه المشروع في الحرية والاستقلال، ومع تصاعد المد الوطني وتزايد الضغوط المطالبة بإنهاء نظام الحماية، لجأت السلطات الاستعمارية إلى سياسة التصعيد، بلغت ذروتها في نفي السلطان والأسرة الملكية يوم 20 غشت 1953، محاولة لضرب رمز الوحدة الوطنية وإخماد جذوة المقاومة، جاءت هذه الخطوة بنتائج عكسية، إذ ساهم نفي الملك الشرعي في توسيع دائرة المقاومة والالتفاف الشعبي حول العرش، فتحولت عودته إلى مطلب مركزي في الكفاح الوطني، وتكثفت عمليات المقاومة والفداء والمظاهرات، قبل أن ينخرط جيش التحرير في هذه الدينامية بإطلاق عملياته في شمال المملكة خلال أكتوبر 1955، لتدخل الحركة الوطنية مرحلة حاسمة فرضت على سلطات الحماية واقعا جديدا، أكدت استحالة احتواء إرادة شعب اختار طريق الحرية والاستقلال.

من التحرير إلى استكمال الوحدة الترابية

أثمر التلاحم الوثيق بين العرش والشعب انتصار الإرادة الوطنية، الذي توج بعودة جلالة المغفور له الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه، وأسرته الملكية إلى أرض الوطن في 16 نونبر 1955، لفتح صفحة جديدة في تاريخ المغرب، عنوانها ترسيخ الدولة المستقلة واستكمال مسار التحرير الوطني واستعادة الوحدة الترابية، وقد تواصل هذا المسار باسترجاع طرفاية سنة 1958، ثم سيدي إفني سنة 1969، وصولا إلى المسيرة الخضراء سنة 1975، التي قادها جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، باعتبارها ملحمة سلمية وحضارية كرست التشبث المغربي باستكمال الوحدة الترابية، قبل استرجاع إقليم وادي الذهب سنة 1979، لم تظل ثورة الملك والشعب محطة مشرقة في سجل التحرر الوطني، بل تحولت إلى رصيد تاريخي وطني متجدد، يستلهم منه الأجيال معاني التضحية والوفاء للوطن وقوة التلاحم حول الثوابت العليا، كما أضحت هذه الملحمة مرجعا في ترسيخ ثقافة التعبئة الوطنية، واستحضار قدرة المغرب على الدفاع عن وحدته ومصالحه العليا بروح جماعية، تجمع بين الثبات على المبادئ والحكمة في تدبير التحولات والتحديات.

ثورة الملك والشعب ذاكرة وطن ومسار سيادة

تستمد هذه الذكرى اليوم راهنيتها كونها محطة وطنية لاستحضار الدروس التي أفرزها الكفاح من أجل الاستقلال، وترسيخ قيمها في وعي الأجيال الجديدة، وفي مقدمتها صلابة الوحدة الوطنية، والتشبث بالسيادة والثوابت، والقدرة على تحويل التحديات إلى عوامل لتماسك الدولة والمجتمع، تظل هذه القيم حاضرة في مسار المغرب المعاصر، الذي يواصل الدفاع عن وحدته الترابية برؤية تقوم على الواقعية والانفتاح والحوار، مع التشبث بمبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، واعتماد سياسة اليد الممدودة للجزائر، وفاءا لما يجمع الشعبين من وشائج تاريخية وإنسانية عميقة، إذ تتجسد بذلك روح ثورة الملك والشعب في امتداداتها الراهنة، باعتبارها مدرسة في حماية وحدة الوطن، وترسيخ استقلالية القرار الوطني، والدفاع عن القضايا والمصالح العليا للمغرب بروح تجمع بين الحكمة والثبات وبعد النظر، كما تؤكد هذه المناسبة أن قوة المغرب في مواجهة التحديات لا تنفصل عن تماسك جبهته الداخلية، وعن قدرته على تعبئة مختلف مكونات المجتمع حول الثوابت الوطنية، ما يجعل الذاكرة الوطنية رافدا مستمرا للمناعة الوطنية واستشراف المستقبل بثقة وثبات.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×