تحرك حقوقي لمساءلة البوليساريو والجزائر
تعود الاتهامات الموجهة للبوليساريو بشأن انتهاكات حقوق الإنسان إلى واجهة الاهتمام الحقوقي الدولي، عبر بوابة جنيف، عقب توجيه مؤسسة “حقوق الإنسان بلا حدود” الدولية مذكرة إلى المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، “فولكر تورك”، دعت من خلالها إلى فتح تحقيق في وقائع تقول إنها تنطوي على انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ارتكبت داخل التراب الجزائري مرتبطة بمخيمات تندوف، ما يعيد هذا الملف إلى دائرة النقاش الأممي ويضع الادعاءات المثارة بشأن المسؤوليات المحتملة أمام المؤسسات الدولية المختصة.
اتهامات خطيرة تلاحق قيادة البوليساريو
تستند المؤسسة، بحسب مضمون المراسلة، إلى شهادات ومعطيات عرضت خلال الملتقى الرابع لحقوق الإنسان، الذي احتضنته العاصمة التشيلية سانتياغو في يوليوز الماضي، وإلى شكايات سبق أن كانت موضوع عرض أمام القضاء الإسباني، تتمحور هذه المعطيات حول اتهامات تتعلق بالقتل خارج نطاق القضاء وأعمال التعذيب، التي تقول المؤسسة إنها طالت أعضاء سابقين بالبوليساريو وأشخاصا تصفهم بالمعارضين لقيادتها، ما أعاد إلى الواجهة ملفا حقوقيا قديما ظل حاضرا في شهادات الضحايا وعائلاتهم، تكتسب المراسلة بعدا أكثر حساسية من خلال إرفاقها بلائحة تضم 38 اسما لأشخاص من أصول صحراوية، تقول المؤسسة إنهم لقوا حتفهم جراء التعذيب داخل مراكز احتجاز البوليساريو في الجزائر، كما تتضمن الوثيقة معطيات تعريفية بشأن الأشخاص المدرجين في القائمة، وفق أصحاب المبادرة، لتوفير عناصر يمكن أن تساعد في التحقق من الحالات وإعادة تركيب ملابساتها، يجسد إدراج هذه الأسماء ضمن المراسلة توجها لتحويل شهادات الضحايا والوقائع المتداولة إلى معطيات قابلة للفحص والتحقيق، خصوصا أن عدداً من الحالات تعود إلى عقود سابقة، إذ تسعى المؤسسة، من خلال هذه الخطوة، إلى تمكين الجهات الحقوقية الدولية من عناصر قد تساعد على توثيق الانتهاكات المفترضة، والتحقق من ظروف الوفاة أو الاحتجاز، وصولا إلى تحديد المسؤوليات المحتملة بشأنها.
ملف البوليساريو على طاولة الأمم المتحدة
لم تقتصر المؤسسة على عرض الوقائع والشهادات، بل أرفقت مراسلتها بمرجعية قانونية تعتبر أن الأفعال المنسوبة إلى البوليساريو تندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية، استنادا إلى مقتضيات نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وعن مبدأ عدم تقادم الجرائم الواردة ضمن الاختصاص الجنائي الدولي، وما تنص عليه اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1968 بشأن عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ومن هذا المنظور، تتوخى المراسلة إلى تجاوز حدود التوثيق الحقوقي للوقائع القديمة، والدفع بالملف لمسار دولي مؤسساتي غايته التحقيق، والكشف عن مصير الضحايا، وتحديد المسؤوليات، وضمان الحماية للضحايا وذويهم، أيضا طالبت المؤسسة، التي يوجد مقرها في سانتياغو دي تشيلي يرأسها المدافع عن حقوق الإنسان “خوان كارلوس مورغان”، مكتب المفوض السامي بالمساهمة في التحقيق واتخاذ التدابير اللازمة بشأن الانتهاكات المفترضة، ضمن خطوة تأتي تنفيذا لتوصيات الملتقى الرابع لحقوق الإنسان المنعقد بالعاصمة التشيلية خلال يوليوز، بمشاركة جمعيات ومنظمات من أمريكا اللاتينية وأوروبا، حيث حظي ملف الاختفاء القسري المنسوب للبوليساريو بحيز من النقاش، وسط دعوات إلى إعادة إدراجه ضمن أجندة المؤسسات الحقوقية الدولية والتعامل معه كملف حقوقي مفتوح لا كوقائع تاريخية طواها الزمن.
ملف المختفين من تندوف يعود إلى الواجهة
تتجاوز التوصيات المطالبة بالكشف عن مصير المختفين، لتحميل الجزائر، باعتبارها الدولة المضيفة لمخيمات تندوف، مسؤولية المساهمة في كشف الحقيقة بشأن الأشخاص الذين تقول المنظمة إنهم تعرضوا للاختفاء القسري فوق أراضيها، تستند المبادرة إلى حالات تعود إلى سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وعن وقائع امتدت إلى بداية الألفية الجديدة، مؤكدة أن الملف، وفق روايتها، لا يرتبط بانتهاكات من الماضي فحسب، بل يشمل حالات احتجاز واختفاء تقول إنها ما تزال متواصلة، وفي هذا السياق، توضح المنظمة حالة البشير ولد الفيلالي، الذي اختطف مؤخرا من خيمته بمخيم 27 فبراير بمنطقة الرابوني، ولا يزال مصيره مجهولا، واقعة كسائر الحالات المثارة، تستدعي تحقيقا مستقلا للتحقيق من ملابساتها وتحديد المسؤوليات بشأنها، توجه هذه المعطيات إعادة إدراج ملف المختفين في مخيمات تندوف ضمن دائرة الاهتمام الأممي، انطلاقا من مبدأ أن تقادم الزمن لا ينبغي أن يعيق الوصول إلى الحقيقة أو مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، والتشديد على مسؤولية الدولة المضيفة لتسهيل الوصول إلى المعلومات وتمكين عائلات الضحايا من معرفة مصير ذويهم، ما يجعل قضية الاختفاء القسري محورا أساسيا لأي معالجة حقوقية جدية للملف.
تحرك حقوقي دولي لمساءلة البوليساريو والجزائر
قرر المشاركون في الملتقى الانتقال من طرح القضية إلى تفعيل مسار مؤسساتي على المستوى الدولي، من خلال توجيه مراسلة رسمية إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، ووفق المعطيات التي قدمتها الجهة المبادرة، في 20 غشت الجاري، على أن تعقبها مراسلات وإجراءات إضافية بهدف إبقاء الملف حاضرا ضمن أجندة المؤسسات الحقوقية الأممية، تنتظر المنظمات صاحبة المبادرة جواب المجلس بشأن مضمون المراسلة، معربة عن أملها في أن يحظى الملف بما تعتبره تعاطيا جديا يفضي إلى كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات، يبرز ضمن هذا التحرك إصرارها على إدراج الجزائر في دائرة المساءلة، استنادا إلى روايتها بشأن وقوع الانتهاكات المزعومة فوق التراب الجزائري، وفي سياق مخيمات تقع، بحسب طرحها، ضمن مسؤولية الدولة المضيفة، ينصب هذا المسار أساسا للكشف عن مصير أشخاص تقول المنظمات إنهم تعرضوا للاختفاء أو الاختطاف، إلى جانب المطالبة بجبر الضرر لفائدة الضحايا وذويهم، مع التأكيد على مواصلة إحالة الملف على الهيئات الحقوقية الدولية لإبقائه تحت أنظار الأمم المتحدة إلى حين كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات بشأن الانتهاكات المنسوبة للبوليساريو.













