المينورسو أمام منعطف جديد هل تتغير؟
دخلت بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية المينورسو مرحلة جديدة لإعادة ترتيب بنيتها القيادية والتشغيلية، في سياق بالغ الدلالة يتزامن مع اقتراب مناقشة ملف الصحراء المغربية بمجلس الأمن خلال أكتوبر المقبل، وما قد يحمله ذلك من مؤشرات بشأن مستقبل أدوارها ومهامها.
المينورسو تعيد ترتيب قيادتها ومواردها
اختارت الأمم المتحدة اللواء الباكستاني جواد أحمد لقيادة المكوّن العسكري لبعثة المينورسو، خلفا للجنرال البنغالي فخرو محمد الإحسان، في وقت التحق فيه المسؤول الأممي المالاوي رون ميستي كامويندو بمدينة العيون لتولي قيادة المكون المدني، لا تبدو هذه التعيينات مجرد عملية دورية لتغيير المسؤولين، بل تأتي ضمن دينامية أوسع لإعادة ترتيب البعثة، في ظل تحولات متسارعة تستدعي إعادة تقييم آليات اشتغالها وتوزيع أدوارها وقدرتها على مواكبة المتغيرات الميدانية والسياسية المحيطة بملف الصحراء المغربية، تكتسب هذه المؤشرات دلالتها وتزامنها مع سلسلة من الإجراءات التي مست البنية البشرية واللوجستيكية والخدماتية للمينورسو، من بينها الاستغناء عن عشرين إطارا ضمن الطواقم الطبية، وإنهاء مهام أربعة مسؤولين في قطاعات وأقسام مختلفة، والتخلي عن إحدى الطائرتين المخصصتين للتنقلات الميدانية، بينما يمكن النظر إلى كل خطوة باعتبارها تدبيرا إداريا مستقلا، فإن تقاربها الزمني وتعدد مستوياتها يفرضان قراءة أوسع، مفادها أن البعثة قد تكون بصدد إعادة ضبط حجم مواردها وتركيبتها التشغيلية بما يتلائم مع متطلبات مرحلة جديدة، في هذه المرحلة، دون تغيير رسمي في طبيعة ولايتها الأممية.
الأمم المتحدة تعيد تعريف حفظ السلام
بدأت هذه التحولات تنعكس بصورة أوسع على نظرة الأمم المتحدة إلى مستقبل عمليات حفظ السلام، في ظل قناعة متنامية بضرورة تحديث آلياتها بما يتلائم مع طبيعة النزاعات المعاصرة، وضمن تقرير حديث موجه إلى الجمعية العامة، شدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على أهمية اعتماد ولايات واضحة ومرنة، وإخضاع أداء البعثات لتقييم دوري، وربط استمرارها بوجود مسارات سياسية حقيقية وقابلة للتنفيذ، تلخص عبارته الشهيرة “لا يمكننا الحفاظ على السلام حيث لا يوجد سلام نحافظ عليه” جوهر هذا التحول نموذج يقوم على الحضور الأممي الممتد إلى مقاربة تجعل الفاعلية والجدوى السياسية معيارين أساسيين لاستمرار أي بعثة، لا تقتصر هذه الرؤية الجديدة على خفض الميزانيات أو تقليص أعداد الموظفين، بل تعكس توجها لإعادة النظر في فلسفة وجود البعثات الأممية ووظائفها وحدود تدخلها، حين تتغير الظروف التي تأسست في ظلها مهمة معينة، يصبح منطق المراجعة وإعداد سيناريوهات الانتقال أكثر حضورا، بالتوازي مع إعطاء الأولوية للوساطة والمسارات السياسية القادرة على إنتاج حلول قابلة للاستمرار، فإن جوهر النقاش لم يعد مرتبطا فقط باستمرار البعثة من عدمه، وإنما بمدى قدرتها على مواكبة مسار سياسي ذي جدوى، والتكيف مع التحولات التي طرأت على طبيعة النزاع والبيئة الإقليمية المحيطة به.
المينورسو في قلب التحول السياسي
تكتسب بعثة المينورسو خصوصية واضحة ضمن هذا السياق، باعتبارها تواصل منذ سنة 1991 أداء مهمة مرتبطة أساسا بمراقبة وقف إطلاق النار، في وقت لم يتمكن المسار السياسي من بلورة تسوية نهائية للنزاع، غير أن المشهد تغير بصورة عقب إعلان البوليساريو سنة 2020 التخلي عن التزامها باتفاق وقف إطلاق النار، وما ترتب عن ذلك من واقع ميداني جديد، تزامنا مع تحولات متنامية في مواقف عدد من العواصم وطبيعة المقاربة الدبلوماسية المعتمدة في التعامل مع القضية، ولم تعد مراجعة آليات اشتغال المينورسو، أو إعادة توزيع انتشارها ومواردها، مسألة إدارية وتقنية معزولة عن السياق السياسي، بل باتت جزءا من نقاش أوسع يتصل مباشرة بمستقبل النزاع وآفاق تسويته، فكل تعديل في طبيعة حضور البعثة أو أولوياتها تجسد بشكل أو بآخر، محاولة للتكيف مع واقع ميداني ودبلوماسي لم يعد نفسه الذي رافق تأسيسها، ما يجعل مستقبل وظائفها وأدوارها مرتبطا بصورة متزايدة بمسار التسوية السياسية وموازينها الجديدة.
المينورسو وإعادة ترتيب الأدوار
يمكن قراءة التغييرات التي شهدتها بعثة “المينورسو” باعتبارها مؤشرات تستدعي المتابعة، لتزامن عدد من الإجراءات التنظيمية خلال فترة زمنية قصيرة، شملت إعادة هيكلة الطواقم الطبية، وتغيير بعض المسؤولين، وتقليص وسائل النقل الجوي، إلى جانب تجديد قيادتي المكونين المدني والعسكري، رغم أن هذه التدابير لا تعني بالضرورة وجود قرار أممي بإعادة صياغة ولاية البعثة، فإنها تجسد، دينامية داخلية لإعادة ترتيب الأولويات وتكييف الموارد والوظائف ومتطلبات تشغيلية جديدة، في سياق يشهد نقاشا دوليا متزايداً حول مستقبل عمليات حفظ السلام وسبل تعزيز فعاليتها، إذ تتقاطع هذه التحولات، الى جانب منها، مع الرؤية التي يدافع عنها المغرب بشأن ضرورة إرساء بعثات أممية أكثر واقعية وارتباطا بالنتائج السياسية الممكنة، فقد دعا وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، خلال المؤتمر الوزاري الثاني لحفظ السلام في الفضاء الفرنكوفوني الذي احتضنته الرباط في ماي الماضي، إلى مراجعة شاملة لولايات بعثات حفظ السلام وجعلها أكثر قابلية للإنجاز والقياس، لأن الأهمية الحقيقية لهذا التوجه سيظل مرتبط بما ستترجمه الأمم المتحدة عمليا في حالة “المينورسو”، لا يتوقف الرهان على عدد الأفراد أو حجم الموارد، بل يمتد إلى طبيعة الأدوار التي ستواصل البعثة الاضطلاع بها وحدود حضورها الميداني خلال المرحلة المقبلة.
المينورسو أمام اختبار التحول الأممي
تضع هذه التحولات، في المقابل، الجزائر وصنيعتها البوليساريو أمام اختبار مختلف، بعدما ظلت الجزائر تراهن على إبقاء النزاع داخل دائرة تدبير أممي مفتوح زمنيا من دون أفق سياسي حاسم، فربط استمرار البعثات الأممية بمدى جدواها السياسية وقابليتها للقياس يطرح أسئلة جوهرية حول جدوى مقاربة تكتفي بإدارة النزاع وإدامة وضعه القائم، من هذا المنظور، فإن أي مراجعة لوظائف “المينورسو” قد تفتح نقاشا أوسع بشأن حدود الدور الأممي، ومدى التوازن بين مهمتها الميدانية والمسار السياسي الذي يفترض أن يقود إلى تسوية واقعية ومستدامة، خصوصا مع اقتراب موعد مناقشة الملف داخل مجلس الأمن خلال أكتوبر المقبل، وفي ظل مراجعة أممية أشمل لمستقبل عمليات حفظ السلام، وبالتالي، لن ينحصر الاختبار المقبل في هوية المسؤولين الجدد داخل “المينورسو”، أو في حجم الموارد التي قد تخضع للمراجعة، وإنما سيتركز أساسا على طبيعة التصور الذي سيحكم مستقبل مهمتها ووظائفها، فإن كان الاتجاه الأممي يتجه فعلا لبعثات أكثر مرونة وولايات أكثر واقعية، لتريخ الصلة بين الحضور الميداني والمسار السياسي، فإن الصحراء المغربية ستكون إحدى أبرز ساحات اختبار هذا التوجه، فإن السؤال المرتقب بقوة في نقاش أكتوبر سيتجاوز التجديد التقني للولاية إلى بحث ما إن كانت “المينورسو” ستواصل العمل وفق النموذج التقليدي نفسه، أم أن التحولات السياسية والميدانية والمراجعة الأممية ستدفع تدريجيا لإعادة تعريف طبيعة حضورها وأدوارها، ما قد يشكل مؤشرا بالغ الدلالة على مستقبل التعاطي الأممي مع النزاع ومسار تسويته.














