تحالفات الظل بالساحل تهدد الاستقرار
تجسد الهجمات المنسقة التي شهدتها مالي، والتي شاركت فيها حركات انفصالية من أزواد وتنظيمات متطرفة، من بينها “جماعة أنصار الدين” بقيادة إياد غالي “وحركة ماسينا” بزعامة أمادو كوفا، خلقت تحولا نوعيا في طبيعة التهديدات بمنطقة الساحل، إذ يتكرس، في هذا السياق، تداخل المصالح بين الانفصال والإرهاب ضمن اصطفاف ميداني يهدد استقرار الدول ووحدتها الترابية، قد يعيد هذا التطور إلى الواجهة التحذيرات التي دأب المغرب على طرحها في المحافل الدولية والإفريقية، بشأن تنامي الروابط البنيوية بين هذين المسارين، ما يعمق تعقيد المشهد الأمني ويزيد من اتساع رقعة التهديد في المنطقة.
معادلة أمنية معقدة
كانت الدبلوماسية المغربية من أوائل من نبهوا إلى هذا التداخل المتنامي، معتبرة أن تقاطع الأجندات الانفصالية مع التنظيمات الإرهابية لم يعد ظرفيا، بل بات يقوم على قدر من التكامل في الموارد والوسائل، سواء عبر شبكات التمويل أو قنوات الدعم اللوجستيكي والعملياتي، كما تفيد المعطيات بوجود أطراف إقليمية توفر أشكالا متعددة من المساندة، ما يعزز قدرة هذا التحالف على التمدد وإعادة التموقع، وفي السياق ذاته، كشفت المؤشرات الميدانية عن تنام في انتقال عناصر من الحركات الانفصالية للتنظيمات المتطرفة، تطور يضفي مزيدا من التعقيد على المشهد الأمني الإقليمي، وقد دعت الرباط، في هذا الإطار، إلى اعتماد مقاربات استباقية تجعل من مكافحة ومواجهة النزعات الانفصالية مدخلا محوريا لمحاصرة الإرهاب، بالنظر لما تتيحه البيئات الهشة من هوامش لتغذية شبكات التطرف عبر مسارات التمويل والتسليح وإعادة الانتشار.
شبكات تعيد التموقع
لا يمكن فصل الهجوم الأخير على مالي عن سياقه المركب، إذ يشير لجملة من مؤشرات تنسيق عملياتي بين الأطراف المتعددة، يجسد في الآن ذاته توظيف هذا التقاطع ضمن حسابات جيوسياسية أوسع من أجل إعادة ضبط توازنات المنطقة، وتشير القراءات المتقاطعة أن هذا النمط من التهديدات يتجاوز الإطار المالي ليطال مجمل فضاء الساحل، وامتدادات محتملة لغرب إفريقيا وخليج غينيا، في ظل نشاط جماعات متطرفة عابرة للحدود تتقاطع ولاءاتها بين تنظيمي “القاعدة وداعش”، في هذا السياق، تتزايد الحاجة إلى تنسيق أمني إقليمي فعال، وتفيد المعطيات الراهنة بأن التهديد لم يعد محصورا في بؤر تقليدية، بل أضحى يتخذ شكل منظومة متكاملة تستثمر في هشاشة الدولة الوطنية ببعض المناطق، كما أن انهيار الترتيبات السياسية السابقة، وفي مقدمتها اتفاق 2015 في مالي، ساهم في إعادة خلط الأوراق وفتح المجال أمام إعادة تشكيل هذه التحالفات أكثر تعقيدا وخطورة.
تحالفات الظل بالساحل
أوضحت تداعيات ما بعد الهجوم عن تبلور رهانات سياسية موازية، إذ برزت سيناريوهات متعددة لإعادة هندسة المشهد الداخلي في مالي، على وقع تجاذبات إقليمية، يكرس هذا السياق توظيف الفاعلين غير النظاميين كأوراق ضغط في صراعات جيوسياسية معقدة، حيث تشير مؤشرات الميدان إلى دخول منطقة الساحل الإفريقي مرحلة جديدة من التهديدات المركبة، يتقاطع فيها مسارا النزعات الانفصالية والتنظيمات الإرهابية ضمن شبكة مصالح متداخلة، يضع هذا الواقع دول المنطقة، إلى جانب شركائها الدوليين، أمام حتمية إعادة بناء استراتيجيات المواجهة وفق مقاربة شمولية توافق بين الأبعاد الأمنية والسياسية والتنموية، ما يكفل تطويق تداعيات هذا التحالف ومنع امتداده نحو فضاءات أكثر استقرارا.













