دي ميستورا ينهي جولته الإقليمية
أنهى المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، جولة إقليمية قادته للجزائر، مخيمات تندوف وموريتانيا، وذلك في إطار المشاورات التي يجريها تحضيرا لإحاطته الدورية المرتقبة أمام مجلس الأمن للأمم المتحدة بشأن تطورات ملف الصحراء.
المبعوث الأممي يواصل مشاوراته
بحسب ما أوردته مصادر إعلامية، خلت الجولة الإقليمية للمبعوث الأممي من أي محطة في الرباط، ما أثار تساؤلات بشأن طبيعة التحركات الدبلوماسية التي يقودها في هذه المرحلة الدقيقة من مسار النزاع، استهل ستافان دي ميستورا جولته بزيارة إلى الجزائر، حيث أجرى سلسلة من اللقاءات مع مسؤولين جزائريين، في مقدمتهم وزير الخارجية الجزائر، لاستعراض آخر تطورات الملف وبحث آفاق العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، في ظل استمرار حالة الجمود التي تطبع المفاوضات منذ سنوات، وسعي المنظمة الأممية إلى الإبقاء على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف المعنية، وعقب ذلك، انتقل دي ميستورا إلى مخيمات تندوف، حيث عقد مباحثات مع قيادة البوليساريو في إطار المشاورات الدورية التي يجريها مع أطراف النزاع، قبل أن يختتم جولته في نواكشوط، حيث استقبله محمد ولد الشيخ الغزواني، وفق المعطيات المتوفرة، انصبت المباحثات على تطورات قضية الصحراء وانعكاساتها على الاستقرار الإقليمي، بالنظر إلى موقع موريتانيا باعتبارها دولة مجاورة ومعنية بتداعيات هذا الملف.
النرويج تجسد جهود الأمم المتحدة
غابت الرباط عن برنامج الجولة الإقليمية للمبعوث الأممي، ما لفت انتباه المتابعين، لاسيما أنه يأتي امتدادا لتحركات دبلوماسية سابقة لم تشمل المملكة، سواء تعلق الأمر بجولات ستافان دي ميستورا أو بالاتصالات التي قادها مستشار الرئيس الأمريكي المكلف بالملف، مسعد بولس، رغم تعدد القراءات بشأن هذا الغياب، لم تصدر الأمم المتحدة أو السلطات المغربية أي توضيح رسمي يفسر عدم إدراج الرباط ضمن برنامج الزيارة، ما أبقى الباب مفتوحا أمام التأويلات في ظل غياب معطيات رسمية تحدد خلفيات هذا الاختيار، وفي سياق مواز، كشفت معطيات صادرة عن وزارة الخارجية النرويجية أن الأمم المتحدة تقدمت بطلب للحصول على دعم مالي لفائدة مكتبها المكلف بملف الصحراء، جاء ذلك خلال اجتماع احتضنته أوسلو، وجمع كلاً من دي ميستورا، ومسعد بولس، ووزير الخارجية النرويجي، حيث انتهى اللقاء بإعلان النرويج موافقتها على تقديم مساهمة مالية لدعم جهود الوساطة الأممية، خطوة تعكس استمرار انخراط عدد من الشركاء الدوليين في توفير الموارد اللازمة لمواصلة عمل البعثة الأممية.
الوساطة الأممية مستمرة
سلط هذا التطور الضوء مجددا على مستقبل تمويل الآلية الأممية المكلفة بملف الصحراء، في ظل تصاعد النقاش حول مدى فاعلية الأدوار التي تضطلع بها البعثة الأممية، يأتي ذلك بالتوازي مع مطالب مغربية متكررة تدعو إلى مراجعة اختصاصاتها أو إعادة النظر في استمرارها بصيغتها الحالية، في مقابل تمسك الأمم المتحدة بمواصلة جهود الوساطة السياسية، وإلى حدود الساعة، لا توجد أي مؤشرات رسمية تفيد بإمكانية إحداث تغيير في حجم الدعم الدولي المخصص لهذه الآلية أو في طبيعة المهام المنوطة بها، وبموازاة التحركات الأممية، يواصل مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية، مسعد بولس، تحركاته الدبلوماسية المرتبطة بملف الصحراء، عقد اجتماعا في 11 يونيو 2026، مع ستافان دي ميستورا، بعد أيام قليلة من اختتام الجولة الإقليمية التي قام بها الأخير، ووصف بولس اللقاء بأنه “جيد”، مؤكدا أنه تناول سبل تنفيذ قرار قرار مجلس الأمن رقم 2797، واستعراض الآليات الكفيلة بمساعدة الأطراف على بلوغ حل عادل ودائم للنزاع المستمر منذ أكثر من خمسة عقود، كما شدد على ضرورة تسريع وتيرة المسار السياسي، معتبراً أن التوصل إلى تسوية أصبح أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
الأزمات تعيد رسم الأولويات
تندرج هذه التحركات في سياق دولي بالغ التعقيد، تطغى عليه انشغالات الإدارة الأمريكية بجملة من الملفات الجيوسياسية ذات الأولوية، في مقدمتها المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، ومواصلة رعاية المسار التفاوضي بين إسرائيل ولبنان، إلى جانب انخراطها في معالجة تطورات الأوضاع بقطاع غزة، وقد تصدرت هذه القضايا أجندة السياسة الدولية بفعل ما أفرزته التوترات الإقليمية من تداعيات أمنية واقتصادية متسارعة، إذ يرى عدد من المتابعين في هذا السياق، أن تعدد الأزمات الدولية فرض على واشنطن إعادة ترتيب أولوياتها الدبلوماسية، ما انعكس على وتيرة التعاطي مع ملف الصحراء، غير أن هذا الواقع لا يفسر، وفقا لهذه القراءات، على أنه تراجع في الموقف الأمريكي أو انحسار للاهتمام بالملف، بل يكرس إعادة ترتيب الأولويات والجهود الدبلوماسية، ما يواكب المتغيرات الإقليمية والدولية، مع الحفاظ على انخراط الولايات المتحدة في القضايا الاستراتيجية ذات الأولوية.
اختبار جديد للمسار الأممي
تأتي هذه التحركات في سياق دينامية دولية متواصلة تشهدها قضية الصحراء، بالتزامن مع تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي التي إقترحها المغرب، باعتبارها حلا واقعيا وذا مصداقية لتسوية هذا النزاع، يواكب هذا التوجه ما كرسه مجلس الأمن خلال السنوات الأخيرة من قرارات، والتي تؤكد باستمرار على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي وقائم على التوافق بين الأطراف، ومع اقتراب موعد الإحاطة الدورية التي سيقدمها ستافان دي ميستورا أمام مجلس الأمن للأمم المتحدة، المرتقبة نهاية شهر أكتوبر المقبل، إلى ما سيحمله تقريره بشأن مستقبل المسار السياسي، ويظل التساؤل مطروحا حول ما إذا كانت جولته الإقليمية الأخيرة تمثل محاولة فعلية لإعادة تنشيط العملية السياسية بعد فترة من الجمود، أم أنها تندرج في إطار إعادة ترتيب المواقف والتحركات الدبلوماسية للأطراف الدولية والإقليمية، في انتظار تهيئ الظروف السياسية التي تمهد لمرحلة جديدة في تدبير هذا النزاع طويل الأمد.












