نزار بركة العدالة المجالية
قدم الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، نزار بركة، رؤية تعتبر أن النقاش حول مغرب المستقبل، وما يرتبط به من مقتضيات العدالة والكرامة والإنصاف، لا يمكن اختزاله في الفضاءات الحضرية الكبرى أو المحاور الاقتصادية المركزية، بل يرتبط أساساً بما وصفه “بالمغرب العميق”، حيث القرى والمناطق الجبلية التي ظلت لعقود تتحمل في آن واحد قسوة الطبيعة ووطأة التهميش، وأوضح بركة أن قياس تطور البلاد لا ينبغي أن يظل رهينا بمؤشرات المدن الكبرى وحدها، بل يمتد الى مايشعر به المواطن في المناطق النائية، من كرامة وعدالة اجتماعية باعتبارها المؤشر الحقيقي لعمق التنمية.
العدالة المجالية بالمناطق الجبلية
نظمت مؤسسة علال الفاسي ندوة حول العدالة المجالية في المناطق الجبلية، شكلت مناسبة لتسليط الضوء على رهانات التنمية في هذه الفضاءات ذات الخصوصية الترابية. وفي هذا السياق، شدد نزار بركة على أن المناطق الجبلية لا ينبغي النظر إليها كهوامش جغرافية معزولة، بل كمكون بنيوي من العالم القروي وامتداداته الأكثر تعقيدا وعمقا على المستوى الترابي، مؤكدا أنها تشكل رصيدا استراتيجيا للتنمية الوطنية، وأوضح بركة أن هذه المجالات تزخر بموارد طبيعية وبشرية وثقافية مهمة، تجعل منها خزانات مائية أساسية، وفضاءات غنية بالتنوع البيولوجي، ومجالات واعدة للطاقات المتجددة، فضلا عن كونها ذاكرة جماعية وهوية ورأسمال لامادي متجذر، وفي تشخيصه للاختلالات القائمة، أشار المسؤول الحكومي أن الفوارق في الولوج إلى التجهيزات والخدمات العمومية تتفاقم بشكل أوضح في المناطق الجبلية، حيث تتجاوز العزلة بعدها الجغرافي لتتحول إلى عزلة تنموية مركبة، تتداخل فيها قساوة التضاريس، وهشاشة التربة، والظروف المناخية الصعبة، إلى جانب مخاطر الكوارث الطبيعية، وأضاف أن البنية السكانية المتمثلة في دواوير صغيرة ومساكن متفرقة، تزيد من تعقيد عملية التدبير العمومي، رغم أن هذه المناطق تأوي حوالي 15.5 في المائة من الساكنة القروية، أي ما يقارب مليوني نسمة، ما يستدعي مقاربات تنموية أكثر ملاءمة لخصوصياتها.
إدماج المجال الجبلي في التنمية
توقف نزار بركة عند مقاربتين متباينتين في التعاطي مع المجال الجبلي، الأولى تنظر إليه كفضاء هامشي مرتفع الكلفة وضعيف الجدوى الاقتصادية، ما يؤدي إلى تأجيل الاستثمار فيه وإبعاده عن أولويات السياسات العمومية بدعوى اعتبارات تقنية ومالية، في المقابل، تقوم المقاربة الثانية على منطق العدالة المجالية والإدماج الترابي، باعتبار الجبال مجالا حقوقيا متكاملا يستوجب نفس العناية التي تحظى به باقي جهات المملكة، رغم ما يميزها من خصوصيات ديمغرافية وجغرافية، أكد بركة على أن تنمية المناطق الجبلية تتطلب مقاربات مبتكرة ومفصلة وفق خصوصياتها، بعيدا عن استنساخ نماذج جاهزة للمجال الحضري أو القروي، كما دعا إلى اعتماد هندسة ترابية مرنة تراعي طبيعة العمران وتثمين الدور البيئي الاستراتيجي للجبال باعتباره خزانا مائيا أساسي، وايضا مصدر للتنوع البيولوجي وللطاقات المتجددة، وأوضح أن إرساء عدالة مجالية حقيقية تمر عبر الانتقال من منطق الكلفة إلى منطق الحقوق الفعلية، ومن التدبير الإداري التقليدي إلى مقاربة ترابية مبتكرة قائمة على التمييز الإيجابي الذكي، ما يضمن تكافؤ الفرص بين مختلف المجالات، وفي هذا السياق، دعا بركة إلى تسريع عملية بوثيرة مندمجة للاستثمار، تشمل الخدمات الصحية المتنقلة والطب عن بعد، وتطوير التعليم الرقمي، وإحداث مراكز متعددة الوظائف داخل المناطق الجبلية، اعتبر بركة أن هذه المجالات تزخر بإمكانات اقتصادية واعدة، خاصة الفلاحة الجبلية، والمنتجات المجالية، والنباتات الطبية والعطرية، إضافة إلى السياحة البيئية والطاقات المتجددة، ما يبني اقتصاد جبلي منتج ومستدام، لتحقيق تنمية متوازنة وشاملة.












