الإعلام والسياسية جدلية التأثير والصورة

May 14, 2026 /
بقلم: مليكة بوخاري

الإعلام والسياسية جدلية التأثير

تواجه الأحزاب السياسية، في المرحلة الراهنة، سلسلة متصاعدة من التحديات المرتبطة بمستوى المصداقية وقدرتها على ترسيخ الثقة لدى المواطنين، لا سيما فئة الشباب التي تشكل كتلة اجتماعية حيوية في معادلة التحول السياسي والاقتصادي، فرغم ما تضطلع به هذه الأحزاب من أدوار دستورية وتاريخية باعتبارها قنوات التأطير السياسي والمطالب الاجتماعية، فإن مؤشرات التراجع في الثقة العامة تظل قائمة، بل تتسع في بعض السياقات، ما يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة هذا التراجع وأسبابه البنيوية.

الإعلام السياسة والتحول الرقمي

يبرز في هذا السياق سؤال محوري حول مدى مسؤولية الأحزاب السياسية في تعميق هذا الوضع، وكيف يمكن إعادة ترميم جسور الثقة مع فئة الشباب في ظل التحولات المجتمعية العميقة، التي مست أنماط العيش ووسائط التواصل وآليات الوعي. إن مقاربة هذه الإشكالية تستلزم تفكيك شبكة معقدة من العوامل المتداخلة، يأتي في مقدمتها التحول الجذري الذي عرفه الحقل الإعلامي، الذي أعاد صياغة العلاقة بين النخب السياسية والرأي العام، فقد تجاوز الإعلام، في ظل التسارع التكنولوجي والرقمي، وظيفته التقليدية القائمة على نقل الخبر وتداول المعطيات، ليتحول إلى فاعل مستقل داخل المجال العمومي، يمتلك قدرة التأثير والتنافس، بل يتجاوز أحيانا، الفعل السياسي الكلاسيكي، لم يعد هذا التحول نقاش نظري، بل أصبح واقعا ملموسا يعيد تشكيل قواعد الاشتغال السياسي والإعلامي، وقد اتسع المشهد الإعلامي، الى جانب الصحافة التقليدية، المنصات الرقمية، وسائل التواصل الاجتماعي، وفضاءات الصورة والفيديو والبث المباشر، ما جعل تدفق المعلومات أكثر كثافة واستمرارية، وأقل خضوعا للإيقاع الكلاسيكي، نتيجة لذلك، تعزز موقع الإعلام بوصفه سلطة رمزية قادرة على توجيه النقاش، وتحديد الأولويات المجتمعية، والتأثير في مسار القرار السياسي، ما دفع عددا من الباحثين إلى وصفه “بالسلطة الأولى بدل السلطة الرابعة”، ومن شأن هذا التحول البنيوي أن يجعل من الإعلام فاعلا لا يكتفي بنقل الأجندات السياسية، بل يشارك في إنتاجها وتوجيهها، عبر فرض مواضيع بعينها للنقاش واستباق أولويات الفاعلين السياسيين أحيانا، وبذلك، تم تشكيل قواعد الاشتغال السياسي، وأضحى الحضور الإعلامي عنصرا مركزيا في قياس الفعل السياسي وتقييم فعاليته.

السياسة والإعلام بين الفعل والصورة

لم يعد الفاعل السياسي اليوم خارج منطق التأثير الإعلامي، بل بات مطالبا بحضوره داخل الفضاء العمومي بوصفه مسارا دائما ومتجددا، عبر بناء علاقة استراتيجية مع وسائل الإعلام أو عبر العمل على التحكم في صورته الذهنية، وفي هذا الإطار، تتجلى أحد أبرز التحولات في الممارسة السياسية المعاصرة، والمتمثلة في الانتقال التدريجي من منطق الإنجاز إلى منطق التمثيل البصري، حيث تغدو الصورة، في كثير من الحالات، أكثر تأثيرا من مضمون القرار نفسه، ولا يقتصر دور الإعلام على نقل الفعل السياسي أو عكسه، بل يتجاوزه إلى إعادة إنتاجه وتأويله، من خلال بناء دلالات ورموز تؤثر في المتلقي وتعيد تشكيل تصوراته للسياسة والسلطة، ما يجعل العلاقة بين السياسي والإعلام علاقة مركبة، تتأرجح بين التوتر والتكامل في آن واحد، إذ يوجد الفاعل السياسي في موقع مزدوج، باعتباره موضوعا للتغطية الإعلامية من جهة، وفاعلا يسعى إلى استخدام الإعلام لترسيخ حضوره وإقناع الرأي العام من جهة ثانية، وفي هذا السياق، تبرز مظاهر متنامية لما يمكن وصفه “بالشعبوية الإعلامية”، حيث يعتمد بعض الفاعلين السياسيين على خطاب قائم على الإثارة والجدل واستثمار الانفعال الجماهيري، بدلا من تقديم سياسية وبرامج عملية، يعكس ذلك تحولا واضحا في منطق التواصل السياسي للسرعة والتأثير الآني، على حساب العمق والتحليل، في المقابل، تحاول بعض النخب السياسية الحفاظ على خطاب عقلاني مؤسس على المعطيات والبرامج، غير أن هذا الخطاب يجد نفسه في مواجهة بيئة إعلامية تميل إلى الإيقاع السريع والصورة المكثفة أكثر من ميلها إلى التحليل المركب، هكذا تتسع الفجوة بين السياسة باعتبارها فعلا تدبيريا، والسياسة بوصفها عرضا إعلاميا تخضع لمنطق الفرجة والتمثيل.

الإعلام والسياسة جدلية التأثير

لا ينبغي اختزال العلاقة بين الإعلام والسياسة في بعدها الصراعي، إذ يمكن أن ترتقي إلى مستوى من التكامل البناء حين تؤسس على قواعد مهنية وأخلاقية راسخة، قوامها حماية حرية التعبير، والشفافية، وترسيخ آليات المساءلة والمحاسبة، لا يقثصر دور الإعلام المهني والمسؤول على نقل الوقائع، بل يتحول إلى رافعة لتطوير الحياة السياسية، من خلال توسيع فضاء النقاش العمومي، ومواكبة الأداء المؤسساتي، والإسهام الفعال في تنمية وعي المواطنين، يفرض هذا التداخل بين المجالين حقيقة مركزية مفادها أن الممارسة السياسية الحديثة لم تعد ممكنة خارج تأثير الإعلام، كما أن الحديث عن إعلام مهني يظل غير مكتمل دون ضمان استقلاليته عن دوائر النفوذ السياسي والاقتصادي، ما يجعل هذه العلاقة علاقة بنيوية تلازم تطور المجتمعات المعاصرة، تتجلى هذه الجدلية في أثر مزدوج ومركب؛ فمن جهة، يضطلع الإعلام بدور محوري في تشكيل الرأي العام، وطرح قضايا جديدة، لتنشيط النقاش الاجتماعي، ومساءلة مراكز القرار، من جهة أخرى، تسعى السياسة، بدرجات متفاوتة، إلى التأثير في الحقل الإعلامي عبر آليات متعددة، تتراوح بين الضغوط غير المباشرة ومحاولات التوجيه، وصولا إلى التأثير في التحرير أو استخدام الأطر في بعض السياقات، ومع ذلك، يمكن لهذا التوتر الدائم أن يتحول إلى علاقة إنتاجية وبناءة، متى توفرت بيئة ديمقراطية سليمة، تضمن حرية الصحافة، وتحافظ على استقلالية المؤسسات الإعلامية، ووضع حدود واضحة لتدخل الفاعل السياسي في المجال الإعلامي، ما يحافظ على توازن العلاقة خدمة للمجال العمومي.

السياسة بين الفعل والصورة

يطرح هذا التحول المتسارع، سؤال أكثر عمقا : هل تعيش السياسة اليوم أزمة فعل أم أزمة صورة؟، فمع اتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، باتت مؤشرات القوة السياسية تقاس أحيانا بعدد المتابعين والتفاعل الرقمي، أكثر مما تقاس بفعالية البرامج والسياسات العمومية وواقعها الملموس، لم تعد السياسات في هذا السياق تقدم في صورتها الكاملة، بل اختزالها في مقاطع مصورة وتصريحات مقتضبة، تعيد تشكيل الوعي العام بطريقة مبسطة ومكثفة، ما ساهم في إبراز ما يمكن وصفه “بمسرحية السياسة”، حيث يتحول الفعل السياسي إلى عرض بصري مفتوح، يتقدم فيه منطق الظهور على حساب منطق الإنجاز، ولا يقف هذا التحول عند حدود الفاعلين السياسيين، بل يمتد إلى الحقل الإعلامي الذي يجد نفسه، أحيانا، جزءا من هذه الدينامية، عن وعي أو بدونه، عبر تغليب منطق الصورة على حساب العمق التحليلي والتفكيك النقدي، وقد تكمن خطورة هذا المسار في أن اختزال السياسة ببعدها الاستعراضي، وتراجع الوظيفة النقدية والتوعوية للإعلام، ما من شأنه أن يضعف النقاش العمومي، ويحد من قدرة المواطن على التمييز والتحليل أمام سيل متسارع من الصور والمضامين اللحظية، ومع ذلك، لا يخلو هذا التحول من فرصة لإعادة مساءلة أدوار الإعلام وحدود علاقته بالسياسة، فالتحدي الراهن يتمثل في استعادة التوازن بين سلطة الصورة وسلطة القرار، وبين إيقاع التأثير الآني ومنطق الفعل العمومي المستدام، توازن لا يمكن تحقيقه إلا بإعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها خدمة عمومية قائمة على الفعل لا على التمثيل البصري، وبناء علاقة جديدة بين الفاعلين السياسيين والإعلاميين تقوم على المسؤولية والمهنية واحترام وعي المواطن، ما يعيد الاعتبار لعمق المجال العمومي والحفاظ على جوهر الممارسة الديمقراطية.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×