العقوبات البديلة والتخفيض التلقائي
احتضن الرواق المشترك بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، يوم السبت 9 ماي الجاري، ندوة علمية حول موضوع “العقوبات البديلة والتخفيض التلقائي للعقوبة”، وذلك في إطار فعاليات الدورة الحادية والثلاثين من المعرض الدولي للنشر والكتاب، المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
تحول السياسة العقابية
شكل اللقاء محطة لتبادل الرؤى بشأن التحولات التي تشهدها السياسة العقابية بالمغرب، في سياق التوجه المتنامي لترسيخ فلسفة العدالة الإصلاحية وتقليص الاعتماد على العقوبات السالبة للحرية، وانصبت مداخلات المشاركين على مقاربة الأبعاد القانونية والفلسفية للعقوبات البديلة، باعتبارها مدخلا لإعادة صياغة العلاقة بين العقاب وإعادة الإدماج، وإبراز الأدوار المحورية لكل من النيابة العامة وقضاء تطبيق العقوبات في تفعيل هذه الآليات المستحدثة، وأكد المتدخلون أن التخفيض التلقائي للعقوبة والعقوبات البديلة لم تعودا تدابير إجرائية ذات طابع تقني، بل أضحيا جزءا من رؤية تشريعية متكاملة تهم ترشيد الاعتقال، والحد من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، وتحقيق التوازن بين متطلبات حماية المجتمع لضمان فرص التأهيل وإعادة الإدماج لفائدة المحكوم عليهم.
العقوبات البديلة برؤية إصلاحية حديثة
أوضحت فاطمة الزهراء بنسعيد، رئيسة شعبة الإجراءات الجنائية وحقوق الإنسان بقطب القضاء الجنائي لدى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، أن القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة جاء استجابة للتحولات التي تشهدها السياسات الجنائية الحديثة، في ظل ما أفرزه الاعتماد المفرط للعقوبات السالبة للحرية من تداعيات اجتماعية وإنسانية معقدة، من بينها تفاقم الاكتظاظ السجني وارتفاع معدلات العود وتفكك الروابط الأسرية، وأكدت المتحدثة أن الفلسفة المؤطرة لهذا النص القانوني تقوم على مبادئ العدالة التصالحية، من خلال إشراك المحكوم عليه في جبر الضرر وخدمة المجتمع، ما ينسجم مع المرجعيات الدولية، وعلى رأسها قواعد طوكيو التي تعتبر اللجوء إلى السجن خيارا أخيرا لا يتم اعتماده إلا عند الضرورة، وأبرزت بنسعيد أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية واكب هذا الورش الإصلاحي عبر إبداء الرأي بشأن مشروع القانون، إلى جانب إحداث بنيات متخصصة لتتبع تنزيل مقتضياته، وإعداد دليل عملي يتضمن شروح قانوني ونموذج استئناسي للأحكام القضائية، وتنظيم دورات تكوينية لفائدة القضاة من أجل ضمان التطبيق السليم للمقتضيات الجديدة، للحفاظ على استقلالية السلطة القضائية، وتقدير العقوبات الملائمة لكل حالة على حدة.
تخفيف الاكتظاظ السجني
اعتبر مراد العلمي، رئيس قطب الدعوى العمومية وتتبع تنفيذ السياسة الجنائية وتحليل ظاهرة الجريمة برئاسة رئاسة النيابة العامة، أن اعتماد العقوبات البديلة تندرج ضمن مراجعة عميقة للسياسة العقابية الوطنية، فرضتها التحولات التي يعرفها الواقع السجني، وفي مقدمتها تفاقم الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، ما استدعى البحث عن مقاربات أكثر نجاعة وإنسانية في تدبير العقوبة، وأوضح العلمي أن القانون الذي دخل حيز التنفيذ في غشت 2025 أقر أربعة أصناف من العقوبات البديلة، في سياق ملاءمة التشريع المغربي مع التزاماته الدولية وتوصيات إصلاح منظومة العدالة، والتوجيهات الملكية الداعية إلى تحديث السياسة الجنائية وتطوير آليات العدالة الإصلاحية، وأضاف أن الاستفادة من هذه التدابير تظل محصورة في الجنح التي لا تتجاوز عقوبتها خمس سنوات حبسا، مع استثناء حالات العود، وأشار المتحدث إلى أن قاضي تطبيق العقوبات يتوفر على صلاحية استبدال العقوبات الحبسية النهائية ببدائل متنوعة، كالعمل لأجل المنفعة العامة أو المراقبة الإلكترونية، استنادا إلى معايير اجتماعية وصحية وسلوكية دقيقة تضمن ملاءمة العقوبة ووضعية المحكوم عليه، استعرض المتحدث عن صدور 2600 مقرر قضائي إلى غاية أبريل الماضي، شملت الغرامات اليومية والعمل للمنفعة العامة والمراقبة الإلكترونية، وأكد العلمي أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بترسيخ ثقافة مجتمعية جديدة تؤمن بوظيفة التأهيل وإعادة الإدماج، باعتبار العقوبة آلية للإصلاح المجتمعي، وليس مجرد أداة للعقاب التقليدي.
التخفيض التلقائي للعقوبة
أكد هشام ملاطي مدير الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة بوزارة العدل، أن نظام التخفيض التلقائي للعقوبة يشكل أحد أبرز المستجدات القانونية لتحقيق التوازن بين مبدأ الشرعية الجنائية ومبدأ تفريد العقوبة، موضحا أن هذا النظام يختلف عن العفو أو الإفراج المقيد بشروط، باعتباره يترتب بقوة القانون وبصفة آلية فور استيفاء الشروط المحددة، دون اللجوء إلى مساطر إجرائية معقدة، وأوضح ملاطي أن المشرع المغربي استلهم هذا التوجه من عدد من التجارب المقارنة، لاسيما الفرنسية والإيطالية، مع تبني صيغة تقوم على التلقائية المضبوطة، بما يضمن في الآن ذاته المرونة القضائية واليقين القانوني، وكشف في هذا السياق، أن أزيد من 88 ألف سجين استفادوا من مقتضيات التخفيض التلقائي للعقوبة منذ دخول القانون حيز التنفيذ، الأمر الذي مكن من الإفراج الفوري عن 9 آلاف سجين، واعتبر المسؤول بوزارة العدل أن هذه المعطيات الرقمية تعكس الأثر العملي المباشر لهذا الإجراء في التخفيف من الضغط المتزايد على المؤسسات السجنية، وترسيخ فرص إعادة الإدماج الاجتماعي للمستفيدين، كما شدد على أهمية مواكبة هذا الورش بإرساء أنظمة رقمية دقيقة لتدبير العمليات الحسابية المرتبطة بالتخفيض، وتفعيل آليات التظلم وتتبع نسب العود، بما يسمح بقياس مدى فعالية برامج التأهيل والإدماج.
العقوبات البديلة بين الردع والإدماج
أكد عبد الجليل عينوسي، أستاذ التعليم العالي بجامعة جامعة محمد الخامس، أن العقوبات البديلة تندرج ضمن التحولات العميقة التي يشهدها الفكر الجنائي المعاصر، والقائمة على الانتقال من المقاربة الزجرية التقليدية إلى مقاربة إصلاحية تراهن على إعادة الإدماج والتأهيل، وأوضح أن العقوبات السالبة للحرية، خصوصا قصيرة المدة، أبانت عن محدودية واضحة في تحقيق الردع، مقابل ما تفرزه من تداعيات نفسية واجتماعية تمس السجناء وأسرهم، إلى جانب مساهمتها المباشرة في تفاقم الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، وأشار المتحدث إلى أن فعالية منظومة العقوبات البديلة تظل مرتبطة بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين البعد الردعي والوظيفة التأهيلية، محذرا من اختزالها في امتياز قانوني قد يفقدها مضمونها الإصلاحي، كما دعا إلى تعزيز آليات الرعاية اللاحقة وتطوير مساطر الصلح الجنائي، بما يكرس فلسفة العدالة الإصلاحية ويحد من ظاهرة العود، ضمن تصور يجعل من العقوبة مدخلا لإعادة بناء الفرد ودمجه داخل المجتمع، بدل الاقتصار على بعدها العقابي الصرف.











