السياسة بين القناعة والبراغماتية

Apr 27, 2026 /
بقلم: مليكة بوخاري

السياسة بين القناعة والبراغماتية

لا يمكن مقاربة ظاهرة الترحال السياسي في المغرب بمنطق الإدانة الأخلاقية الجاهزة، كما تفعل بعض الخطابات العمومية التي تختزلها في انعدام المبدأ غير أن هذا الاختزال، على ما يبدو من بساطته، لا يقترب من جوهر الظاهرة، بقدر ما يحجب تعقيدات بنيوية أعمق تتصل بكيفية تشكل الحقل الحزبي وآليات اشتغاله، لا يندرج الترحال في جوهره، ضمن سلوك فردي معزول، بل يجسد اختلالات تمس طبيعة الانتماء الحزبي وحدود استقراره داخل سياق سياسي مركب، حيث يتجاور الاستقرار المؤسساتي النسبي مع استمرار سمات مرحلة انتقالية لم تكتمل بعد شروط ترسخها النهائية، سياق تتداخل فيه الاعتبارات التنظيمية بالحسابات الانتخابية، ما يجعل فهم هذه الظاهرة مدخلا ضروريا لقراءة أوسع لتحولات الفعل الحزبي وإعادة تشكيل توازناته الداخلية.

ضبابية الاختيار السياسي

يفرض سؤال الانتماء الحزبي نفسه، لفهم هذه الظاهرة كمدخل تحليلي حاسم نظريا، يقوم هذا الانتماء على ثلاثة ركائز متكاملة: قناعة فكرية أو إيديولوجية واضحة، التزام تنظيمي داخل هياكل الحزب، ومساهمة فعلية في تنزيل مشروع سياسي يخدم الصالح العام، تشكل هذه المحددات إطاراً ناظما لعلاقة الفرد بحزبه، في الديمقراطيات الراسخة،
بحيث يغدو تغيير الانتماء خطوة استثنائية، غالبا ما تعكس تحولات فكرية عميقة، إذ يصطدم هذا التصور بواقع أكثر تركيبا، تتداخل فيه الأبعاد السياسية والاجتماعية، ويتقاطع فيه الإيديولوجي مع الانتخابي، والمبدئي مع البراغماتي، وضمن هذا السياق، يتحول الترحال السياسي من سلوك استثنائي إلى ممارسة متكررة، بل شبه مألوفة في بعض الحالات، ليبرز، في هذا الإطار، عامل مفصلي يتمثل في ضعف الاختلاف الإيديولوجي بين عدد من الأحزاب، إذ تبدو الخريطة الحزبية، ظاهريا، متعددة وغنية، لكنها تكشف، عند التمحيص، عن تقاطعات واسعة في البرامج والخطابات، وغياب اختلافات جوهرية في الرؤى الاقتصادية والاجتماعية، يفرغ هذا الوضع الانتماء الحزبي من أحد أهم مرتكزاته الرمزية، ويجعل الانتقال بين الأحزاب أقل كلفة من حيث الدلالة، بل وأحيانا بلا معنى سياسي واضح.

منطق التزكية والفرص

لا يستقيم فهم الظاهرة دون استحضار محددها الانتخابي، الذي يبرز، في كثير من الحالات، كعامل حاسم في توجيه السلوك السياسي، لا يضطلع الحزب بوظيفة التأطير أو إنتاج الأفكار، بل يمثل، بالأساس، البوابة القانونية لعبور غمار المنافسة الانتخابية عبر “التزكية”، تتحول هذه الآلية عمليا لمفتاح الولوج إلى التمثيلية، ما يدفع عددا من الفاعلين التعامل مع الانتماء الحزبي بمنطق أداتي، مرتبط بهدف انتخابي محدد، وفي هذا الإطار يخضع الانتماء لحسابات الفرص، حيث لا يطرح السؤال فقط حول القرب الفكري، بل أيضا حول الحظوظ الانتخابية التي يتيحها كل تنظيم، وعندما تتقلص هذه الحظوظ داخل حزب معين، يغدو الانتقال إلى حزب آخر خيارا “عقلانيا” من داخل قواعد اللعبة نفسها يتعزز هذا المنحى بثقل الشبكات المحلية والعلاقات الاجتماعية، التي تلعب دورا محوريا في العديد من الدوائر الانتخابية، حيث لا تقاس القوة السياسية فقط بمدى تماسك البرامج أو جاذبية الخطاب، بل بقدرة المرشح على تعبئة الناخبين عبر شبكات النفوذ، سواء كانت عائلية أو اقتصادية أو جمعوية، وفي مثل هذا السياق، يتقدم المرشح إلى واجهة الفعل السياسي باعتباره الفاعل المركزي، فيما يتراجع الحزب إلى مجرد وعاء قابل للتبدل، دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على ثبات القاعدة الانتخابية.

أعطاب الأحزاب وترحال النخب

تساهم أعطاب التنظيم الداخلي للأحزاب، من جهة أخرى في تغذية ظاهرة الترحال السياسي، عبر ما يعتري آليات الديمقراطية الداخلية من ضعف، وما يكتنف معايير منح التزكيات من غموض، فضلا عن تغليب الاعتبارات الشخصية في بعض الحالات، ففي سياق كهذا، يتراجع منسوب الثقة داخل التنظيم الحزبي، حين يدرك المناضل أو المنتخب أن موقعه لا يحسم وفق منطق الكفاءة والالتزام، بل وفق توازنات غير شفافة، عندها، يغدو الانتماء هشا وقابلا لإعادة النظر، خاصة في ظل بطء مسارات الترقي وغياب قواعد واضحة للتدرج الحزبي، ما يدفع بعض الفاعلين إلى البحث عن قنوات بديلة لتسريع حضورهم في المشهد السياسي، لا يمكن فصل هذه الدينامية عن السياق العام الذي تشتغل ضمنه الأحزاب، رغم ما يميز النظام من استقرار مؤسساتي، فإن الحقل الحزبي لا يحتكر وحده صناعة القرار، فوجود مراكز تأثير خارج الإطار الحزبي الضيق يقلص من جاذبية الانتماء كخيار استراتيجي طويل الأمد، ويعيد تشكيل العلاقة بالحزب من رابطة هوية والتزام إلى تموقع داخل منظومة أوسع، في هذا الأفق، يبدو الترحال السياسي أقرب إلى انعكاس لوظيفة الحزب وحدود تأثيره، أكثر مما هو تعبير عن تحول فعلي في القناعات السياسية.

الترحال السياسي وأزمة الثقة

يمكن مقاربة ظاهرة الترحال السياسي باعتبارها نتاجا لتداخل معقد بين جملة من المحددات البنيوية، في مقدمتها هشاشة الاختلاف الإيديولوجي بين الأحزاب، وهيمنة منطق الرهان الانتخابي، وقوة الامتدادات المحلية، إلى جانب أعطاب التنظيم الداخلي وطبيعة التوازنات الحاكمة للمشهد السياسي، إن تفكيك هذه الخلفيات لا يعني تبرير الظاهرة أو التطبيع معها، بقدر ما يفتح أفقا لنقد بنيوي يتجاوز اختزاله في سلوك الأفراد، في المقابل، تفرز هذه الممارسات انعكاسات مباشرة على جودة الحياة السياسية، لعل أبرزها تآكل منسوب الثقة بين المواطن والفاعلين الحزبيين، إذ يفقد الاختيار الانتخابي الكثير من مصداقيته حين يصبح الانتقال بين الأحزاب أمرا يسيرا، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة التصويت: هل هو تفويض لبرامج أم رهانات على أشخاص؟ كما يساهم الترحال في إفراغ التعددية من مضمونها الفعلي، لتتحول إلى تعددية شكلية لا تعكس اختلافات حقيقية، الأمر الذي يضعف النقاش العمومي ويقوض إمكان بلورة بدائل سياسية واضحة، أما على مستوى المعالجة، غالبا ما يستدعى الحل القانوني كأداة للحد من الظاهرة، غير أن نجاعته تظل نسبية ما لم تسند بإصلاحات أعمق تمس البنية الحزبية ذاتها، فالقانون، وإن كان قادرا على ضبط السلوك، لا يلامس جذوره العميقة، فمن هنا، يمر الإصلاح الحقيقي عبر إعادة بناء معنى الانتماء الحزبي، من خلال وضوح البرامج، والفوارق بين المشاريع السياسية، وترسيخ الديمقراطية الداخلية، واعتماد معايير شفافة في انتقاء المرشحين، كما يقتضي الحد من سطوة المال والنفوذ المحلي، وإعادة ترميم الثقة في الفعل السياسي عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة وتوسيع دوائر المشاركة، في هذا السياق، يعكس الترحال السياسي هشاشة انتماء حزبي لم يترسخ بعد على قواعد صلبة، إذ يتأرجح بين منطق القناعة وإكراهات البراغماتية، وبين الالتزام الفكري ووظيفة التموقع، رغم صعوبة استئصال الظاهرة بشكل كامل، فإن تقليصها يظل رهينا بإعادة الاعتبار للسياسة كحقل للأفكار والاختيارات، لا كسوق لتبادل الفرص، بما يعيد للانتماء الحزبي معناه الأصيل بوصفه التزاما واعيا بمشروع جماعي.

شروط النشر:

يُرجى الالتزام بأسلوب محترم في التعليقات، والامتناع عن أي إساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات.
يُمنع تمامًا توجيه أي عبارات تمسّ الأديان أو الذات الإلهية، كما يُحظر التحريض العنصري أو استخدام الألفاظ النابية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار 24 جريدة إلكترونية مغربية شاملة تتجدد على مدار الساعة ، تقدم أخبار دقيقة وموثوقة.
    نعتمد على إعداد محتوياتنا بالتحري الجاد والالتزام التام بأخلاقيات مهنة الصحافة المتعارف عليها دولياً، مما يضمن جودة الخبر ومصداقيته.

قلق دولي من تداخل الأنشطة الإرهابية أفاد دبلوماسي أوروبي مقيم…
×