بوعياش الذكاء الاصطناعي يعيد رسم
أكدت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، آمنة بوعياش، ضمن قراءة حقوقية تستحضر رهانات التحول الرقمي، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أفق مستقبلي مؤجل، بل أضحى مكونا بنيويا يتخلل تفاصيل الحياة اليومية، معيدا تشكيل أنماط التواصل، العمل وسبل الولوج إلى الخدمات، موضحة أن تأثيراته لم تعد تقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى طبيعة المشاركة في الشأن العام، بل وإلى الكيفية التي تمارس بها حقوق الإنسان في حد ذاتها.
الحقوق في العصر الرقمي
أبرزت آمنة بوعياش، في مداخلة عن بعد ضمن ندوة نظمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان على هامش فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، أن التحولات التكنولوجية الجارية لا تقتصر على توسيع إمكانيات التمتع بالحقوق، بل تعيد في الآن ذاته تشكيل أنماط تقييدها، ضمن مفارقة تجسد الطبيعة المزدوجة لهذه الأدوات، وأوضحت أن التقنيات الرقمية تفتح، من جهة، آفاقا غير مسبوقة لتحسين الولوج إلى الخدمات العمومية والإدماج، بينما قد تساهم، من جهة أخرى، في تعميق الفوارق الاجتماعية وتقويض بعض الحريات وخلق مخاطر جديدة تمس الأفراد، طرحت بوعياش في هذا السياق، سؤالا إشكاليا حول الفاعل البشري في خضم هذه التحولات: هل يتعلق الأمر بالتكيف مع مسارات مفروضة، أم بإمكانية التحكم في اتجاهاتها وتوجيهها؟، معتبرة أن الرهان، في جوهره، يظل رهانا حقوقيا بالدرجة الأولى، على اعتبار أن كونية حقوق الإنسان تقتضي امتدادها إلى الفضاء الرقمي، بما يجعله مجالا خاضعا لمبادئ الكرامة والعدالة.
الكرامة في زمن الذكاء
أكدت آمنة بوعياش أن جعل الكرامة الإنسانية مرجعية ناظمة في مختلف مراحل تطوير واستعمال التقنيات الرقمية، حيث بات ضرورة ملحة، في سياق يتسم باتساع الفجوة بين الإمكانيات الواعدة والمخاطر المتنامية، وأبرزت أن تفشي المعلومات المضللة، تصاعد تقنيات التزييف العميق، وتزايد التحيز للخوارزميات، التي تشكل تحديات بنيوية قد تفضي إلى إعادة إنتاج أشكال جديدة من التمييز، وإرباك حدود الحقيقة، ما ينعكس سلبا على ممارسة الحقوق والحريات، وشددت في هذا الإطار، أن المسؤولية تظل جماعية وممتدة عبر مختلف حلقات سلسلة القيمة الرقمية، من مرحلة التصميم إلى التنفيذ، والتأكيد على الدور المحوري للمؤسسات الوطنية في ترسيخ مقاربة حقوق الإنسان ضمن السياسات والتقنيات الناشئة، كما أوضحت أن حماية الحقوق لا يعني كبح الابتكار، بل يقتضي تأطيره وضمان انسجامه مع المعايير الكونية، وخلصت بوعياش إلى أن اللحظة الراهنة تمثل منعطفا حاسما، حيث يمكن للابتكار أن يتحول إلى رافعة داعمة للثقافة والتنمية والحقوق، أو تنقلب، في المقابل، إلى مدخل لتقويضها، معتبرة أن مآل هذه التحولات لا تحددها التكنولوجيا في حد ذاتها، بل ترتبط بالخيارات التي يعتمدها الفاعلون، وبمدى قدرتهم على توجيهها ما يخدم الكرامة الإنسانية وقيم العدالة والإدماج.











